افتتاح مؤتمر: المسلمون والمسيحيون والتحولات

بداية أتوجه بالشكر الخالص للمستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية في لبنان والفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي على انتباههم في هذه اللحظة السياسية الشديدة الأهمية إلى إقامة هذا المؤتمر الدولي تحت هذا العنوان الذي يعلو فوقنا.

ان شعوب المنطقة التي تنتمي بسوادها الأعظم إيديولوجياً الى الإسلام والمسيحية إنما تستلهم الإسلام والمسيحية في مقاومة الظلم والإستبداد والعدوانية وتجار الهيكل، وهي ذاتها اليوم تقع على منظار التصويب لمشروع الحرب الراهنة المتواصلة الهادفة للسيطرة على الموارد البشرية والطبيعية للمنطقة وهذا المشروع يحمل كما تعرفون إسم: الشرق الأوسط الكبير أو الموسع.

لقد جرى تمويه النوايا الإستعمارية لهذا المشروع بعناوين الديموقراطية والحرية والتنمية الاقتصادية وحقوق الإنسان، وهي العناوين التي شكلّت بذاتها حاجة لشعوبنا ولنظامنا العربي والإسلامي، وقد تجاهلها هذا النظام طيلة نصف قرن حتى أضحت الأخطار المتأتية منها أو من تجاهلها تعادل داخلياً الخطر الذي تمثله التهديدات الخارجية وأبرزها إسرائيل.

ومن نافل القول ان القوى المنخرطة في حركة هذا المشروع الإستعماري وأهدافه تقوم بمحاولة لإثارة فتن طائفية ومذهبية وعرقية على إمتداد المساحة الجغرافية السياسية للمشروع بهدف تبديد قوة المجتمعات والدول.

إن أحد أبرز الأخطار التي يمثلها هذا التحدي الإستراتيجي هو موقع إسرائيل في قلبه بصفتها المستفيد الرئيسي من مختلف السياسات النفعية للمشروع، وجعل إسرائيل تأخذ موقعها كدولة إقليمية مركزية منسجمة مع النسيج الاجتماعي لمنطقة الشرق الاوسط وزيادة ثقلها السياسي بما يمكنها من التعاون مع القوى صاحبة المشروع من ترتيب أوضاع المنطقة.

إننا هنا لا نتحدث عن مشروع مؤامرة أو نتوّهم مشروعاً أو نختلق مشروعاً لتحويل إنتباه شعوبنا عن الأزمات التي تدور حولنا، أو لتبرير الوقائع والتوترات المتنوعة في إطارها والتي يراد منها ان تستدرج مختلف أنواع التدخلات الأجنبية بحجة المخاوف من التهديدات التي تطال الأمن والسلم الإقليميين والدوليين.

إننا هنا نتحدث عن مشروع يتحرك على مساحة المنطقة ويحاول بداية ان يصل إلى تحييد الصراع مع إسرائيل، در إلى مقال اخر، وان يضمن ان أطراف النظام القطري الجديد الذي يحل كنتاج للثورات لن يمس بالإتفاقيات الموقعة مع إسرائيل.

إنني وحتى لا يلتبس موقعنا أو موقفنا إزاء التحولات أذكر بأنني وفي مؤتمر الإتحاد البرلماني العربي عام 2003 وكذلك خلال رئاستي للإتحادين البرلماني العربي وإتحاد برلمانات دول منظمة المؤتمر الإسلامي عام 2004 و2005 دعوت ولا أزال إلى تركيز عشر موازانات الدول العربية التي تصرف لشراء أسلحة لا يعرفون ولا يستطيعون إستخدامها. صرف عشر هذه المبالغ في سبيل تعزيز هذه الديمقراطية، أنا أضمن لهم أن هذا العشر وهذا الإنفاق اليسير يضمن لهم دولهم وولاء الناس إليها أكثر مما يصرفون ومما ينتجون.

 نعم، لقد أصابت الشيخوخة نظامنا دون أن يبادر إلى الإصلاحات السياسية الموعودة، وهو أمر أطلق مارد الشعوب من قمقمها، ونحن نرى أنه لم يعد بالإمكان إعادة هذا المارد وتقزيمه  وتعليق الإصلاح، وبناءً على ذلك رحبنا ونرحب بعصرنة النظام وتحديثه وضمان حقوق الإنسان المتنوعة وإصلاح الدساتير وصولاً إلى أنظمة ديموقراطية برلمانية.

إلا أن ما يجب أن ننتبه إليه هو أن هذه التحولات تصادف الإندفاع القوي للقوى الكبرى التي تشكّل مشروع الشرق الأوسط الكبير، والتي تستثمر على الوقائع الجارية لضرب الإستقرار العام للنظام القطري والمشترك في المنطقة، عبر الدعم الذي يجري تقديمه لتسلح شعار طرح التغيير بالقوة وصولاً إلى استدعاء التدخلات العسكرية الخارجية مع ما يرافقها من دعاية وتضليل للرأي العام.

إن هذا الأمر نلمسه اليوم إستناداً إلى الأنموذج السوري مثلاً وبالترافق معه مسلسل الإنفجارات الذي يضرب العراق بعد خروج المحتل، الذي يحاول إدخال سورية وكذلك العراق في أتون حروب طائفية ومذهبية وعرقية تهدد بتقسيم البلاد.

كما أن مصر التي تقع على نفس منظار التصويب والتي تحاول جاهدة الإنتصار لشعارات الثورة والعبور بعملية إنتاج نظامها السياسي بالوسائل الديموقراطية أيضاً تتعرض لضغوط عناصر الفتنة الطائفية.

لقد وصل العبث الأمني إلى درجة غير مسبوقة بهدف إشعال حروب طائفية ومذهبية وهو الأمر الذي نرى مشاهده المؤلمة في نيجيريا.

ألا يستدعي ذلك تساؤلاً وإنتباهاً عن كل هذا الموت المجاني الذي يتم على مساحة مشروع الشرق االأوسط التي تشمل شمال وغرب أفريقيا؟

في نفس مشهد الصورة القاتمة وعود على بدء إلى السودان الذي عانى ما عاناه من حروب الشمال والجنوب، ثم وضعه تحت تهديد محكمة الجنايات الدولية لإحداث إنهيار نظيف لسلخ الجنوب، فهل ترانا اليوم نقف أمام المزيد من الإنهيارات المماثلة لبلد شقيق عزيز كان يمتد على مساحة اوروبا ويمثل سلة الغذاء العالمي، وهل ترانا غداً نجد أنفسنا أمام كيانات منفصلة في دارفور ومناطق أخرى؟

إن أحد التحديات المصيرية المترتبة على ما يجري هو أنه وفي الماضي كانت تحصل إنقلابات وتبقى الدول، كانت تحصل إنقلابات أو ثورات تغير النظام وتبقى الدول اليوم أصبح بقاء الدول في خطر.

كما أن احد التحديات هو الإنعكاسات المتصلة لما يصيب بعض الدول والمجتمعات العربية على غيرها ومنها لبنان والأردن، وهو الأمر الذي يطرح مخطط تمرير التوطين، أو الوطن البديل في أحدهما على حساب البلدين وإحباط الأماني الوطنية للشعب الفلسطيني.

الآن تبدو صورة حركة المشروع أكثر تعقيداً في ضوء الإنسحاب الأميركي من العراق والإستعداد للإنسحاب من أفغانستان، بالنظر إلى ما أعلنه الرئيس الأميركي عن نشر قواعد عسكرية أميركية في آسيا، فهل ترانا وتحت شعار منع تهديد المصالح الجيو سياسية في اسيا الوسطى سنشهد أيضا تشظي هذه المنطقة؟

بالأمس وبعد أحداث 11 أيلول {سبتمبر} جرى تصوير الإسلام على أنه إرهاب وجرى إستباحة أفغانستان. اليوم نسمع ونلمس محادثات وإتصالات مع حركة طالبان وإستعداداً للإعتراف بها وربما في الغد نشهد ترحيباً بعودتها لإستلام الحكم في أفغانستان.

نحن طبعاً نرى أن مقاومة الشعب الأفغاني للإحتلال هي الأساس في إعادة تحالف الراغبين العسكري للنظر في إستمرار إحتلاله لهذا البلد.

ولكننا ننظر إلى إنقلاب المواقف الغربية، ونرى أنها تتم بتأثير المصالح، وهو الأمر الذي ننبه النظامين العربي والإسلامي ومعارضيهما أيضا.

وبالنظر إلى ما تقدم فإن جملة من الأسئلة تطرح نفسها أبرزها:

ألا يستدعي كل ما يجري مخاوف وهواجس الأقليات؟ ما دام جميعنا خائف.

إننا وبغياب إستخلاص الدروس والعبر من الثورات العربية ونتائجها نقول بصراحة: نعم، ونقول بصراحة أكثر أنه لا يوجد حتى الآن من يمكنه على مستوى النظام القائم أو الجديد أن يعطي كلمة تطمئن هذه الأقليات في المنطقة، بإنتظار أن تنتبه قوى الثورات إلى المعنى الحضاري لضمان حرية الأقليات ولإستمرار صيغة التعايش وقيام دولة القانون، وهذا الأمر وحده بعد الله يؤدي إلى اطمئنان المواطن العربي بغض النظر عن طائفته أو مذهبه أو جنسيته إلى القوى السياسية ومشاريعها الإيديولوجية والسياسية وإلى الدولة وأدوارها في النظام القطري.

بالعودة إلينا في المكان والزمان في لبنان، فإن الأوضاع المتشظية التي تحيط بعالمنا العربي ترخي بظلها على واقعنا السياسي والإجتماعي الداخلي بما يشكل فرصة للتبصر بأحوالنا والإسراع لوضع إستراتيجية للحضور المستقبلي لبلدنا في نظام منطقتنا، إرتكازاً على تعزيز قناعاتنا المنفتحة على الحوار وعلى تجربتنا في الحوار وفي بناء التفاهمات والإتفاقات، وبما يحصن لبنان كرسالة للمحبة والتسامح ودوره في أن يبقى ساحة للتفاعل بين الأديان وساحة لحوار الحضارات.

إننا نوجه عناية الجميع إلى ضرورة إتخاذ موقف حذر حيال كل ما يجري من تحولات بل الأصح القول حيال ما يجري من تطورات لكثرة ما تحمله في داخلها من تناقضات من دون أن يثنينا ذلك عن تأييد كل عملية للإنتقال الهادئ إلى الديموقراطية السلمية التي هي من مراتب الحضارة والرقي الوطني والسياسي. إننا اليوم وأكثر من أي وقت مضى وإنطلاقا من لبنان ندعو إلى تعزيز ثقافة الوحدة داخل أقطارنا، ونؤكد على وحدة الأرض والشعب والمؤسسات في كل قطر عربي.

إننا ندعو إلى حوار هادف يدعو حول:

– تشكيل الدولة القطرية وأدوارها.

– حقوق الإنسان والتأسيس لشرعة حقوق الإنسان العربي إرتكازاً إلى خطط وطنية لحقوق الإنسان. لم لا؟

كما أن الحوارات الأهم المطلوبة على المستوى المشترك يجب أن تنطلق من:

أولاً: تعزيز الحوار الإسلامي الإسلامي بهدف التقريب بين المذاهب الإسلامية، وقد انعقد هذا النوع من الحوارات في إطار مؤتمرات عديدة إلا أن التقارب اليوم بات يحتاج إلى جهد مركزي أكبر بمواجهة أصابع أعداء الأمة التي تحاول أن تشعل نار الفتنة المذهبية.

إن هذا الأمر يحتاج إلى إيجاد وسائل يومية سمعية بصرية موجهة إلى المواطن في العالمين العربي والإسلامي للتأكيد على الوحدة في إطار الإسلام الرحب.

في هذا الإطار نتمنى على المرجعيات الروحية في الأزهر الشريف والنجف الأشرف وقم المقدسة توسيع أبواب الحوار بين المذاهب الإسلامية لما فيه من مصلحة إسلامية عليا، كما وندعو القيادات السياسية في المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية وجمهورية مصر العربية وجمهورية تركيا إلى إيجاد مؤسسات الحوار الرسمية المناسبة التي تتمكن من ضبط إيقاع مؤسسات الرأي العام الإعلامية وتوجيهها بما يخدم تعزيز عناصر الوحدة الإسلامية.

ثانياً: تعزيز إتجاهات الحوار الإسلامي- المسيحي، ونحن في هذا الإطار نوجه التحية إلى مسعى قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر لإعطاء دفع لهذا الحوار.

كما أننا في إطار الأديان نذكر أن مفهوم لبنان الرسالة الذي أطلقه قداسة البابا يوحنا بولس الثاني يحدد الوظيفة الإجتماعية للأديان السماوية، ويؤكد على الطبيعة الإيمانية للبنان، وهو الأمر الذي يجعلنا نتشرف مع فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية بالدعوة إلى جعل لبنان مركزاً للحوار الإسلامي المسيحي وهو الإقتراح الذي قدمه في الجمعية العمومية للأمم المتحدة, الذي يجب أن يخرج من دائرة التنظير إلى مستوى التطبيق الميداني من خلال تحصين الحالة اللبنانية وتفعيلها.

إن لبنان الذي له تجربته في خوض هذا الحوار والذي يمثل كما رددت أنموذجاً للقرية الكونية في تعايش الأديان والحضارات هو الجواب الصريح على كل التساؤلات والهواجس والمخاوف من الفتن والمؤامرات، طبعاً إذا اخلص الجميع لصيغة التعايش الوطني فيه، وبالتأكيد إذا اتخذت المرجعيات المبادرة إلى ضبط الحالة التنافرية، وكذلك المبادرة إلى وضع قواعد ضابطة للسلوكيات الكلامية بحيث لا تؤخذ طائفة بجريرة شخص أو بجريرة مجرم أو ظالم أو منافق.

إن نصف كل حرب أولها كلام وكذلك نصف كل سلم أوله كلام، فليعقد ميثاق شرف حول الكلمة الطيبة لمصلحة أوطاننا ووحددتها واستقرارها.

ثالثاً: التصدي للمحاولات الجارية لإثارة الحساسيات العربية الفارسية وإستبدال عدو العرب والمسلمين، عدو الأرض والسماء، إستبدال إسرائيل بإيران وجعل العرب يعتقدون أنها تمثل التهديد الأخطر لحاضرهم ومستقبلهم.

إن على القيادات العربية خصوصاً لدى الإخوة في مجلس التعاون الخليجي عدم الوقوع في شرك تحويل الأنظار والإنتباه العربي عن إسرائيل وعدوانيتها والخطوات الجارية لتهويد القدس بما في ذلك القرار الذي يصدر البارحة ونشر اليوم للتركيز على إيران واعتبارها تهديداً في ما يمكن إعتبار قوة إيران قوة للعرب والمسلمين وللمسيحيين وخصوصاً الفلسطينيين على طريق تحقيق أمانيهم الوطنية.

بعد الحربين الكونيتين الأولى والثانية جرى تقسيم الشرق وفق خرائط سايكس بيكو، حذرت من هذا الأمر قبل الان في كلمتي في ذكرى الإمام السيد موسى الصدر، وتم في هذا الإطار إقامة إسرائيل ككيان عدواني إستيطاني على حساب الشعب الفلسطيني وأرض وطنه.

اليوم يقع نفس الشرق بل المساحة الممتدة من سور الصين العظيم إلى غرب أفريقيا على منظار التصويب لمشروع الشرق الأوسط الكبير، ونقف أمام تحدي هذا المشروع ووسيلته الإستراتيجية: الفوضى البناءة.

إننا نقف أمام التحدي الأبرز وهو التحول إلى إسرائيليات هي في واقعها كيانات عرقية أو طائفية أو مذهبية.

فهل ترانا نقبل بواقع تحولنا إلى أفلاك تدور حول إسرائيل الكيان الديني وتصبح هي قمر المنطقة؟

هل ترانا نقبل بسقوط الشرق في هاوية مشروع الشرق الأوسط هذا؟

هل ترانا نواصل دفن رؤوسنا في الرمل حتى لا نرى الحقائق ونصدق قيام الاخرين بتمويه نواياهم بالألفاظ الحسنة؟

وهل ترانا نقبل أن نواصل دفن رؤوسنا بالدماء حتى لا نرى العمليات الإسرائيلية اليومية المستمرة لتهويد القدس وبالترافق معها مصادرة ما تبقى من أملاك للإخوة الفلسطينيين في الجليل وهدم منازل أريحا؟

تلكم هي التحديات، مضاف إليها تحدي قبول التغيير والإصلاح في أقطارنا وتعزيز المشاركة في كل ما يصنع حياة دولنا ومجتمعاتنا السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية.

هل ترانا نكون على مستوى تلك التحديات؟ ذلك هو السؤال؟ وفيه دائما نصف الجواب.

هذه التدوينة نشرت في خطابات. الإشارة المرجعية.