الرئيس بري صوت الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه

كتب طلال حاطوم

هو المؤتمر الصعب في الزمن الصعب، ولكن في المكان الصح، كل المؤمنين بخيار المقاومة والممانعة كانوا هناك، في طهران، في المدينة التي اعتادت أن تحتضن الأحرار الذين يظلمهم في أحيان كثيرة ذوو القربى الذين غابوا عن المؤتمر الخامس لدعم الإنتفاضة الفلسطينية.

الجمهورية الإسلامية في إيران حملت هم القضية الفلسطينية منذ اللحظة الأولى لقيامها وطرد السفارة الصهيونية منها وإقامة السفارة الفلسطينية، وبقيت على عهدها، وخصص إمامها العظيم آية الله الخميني يوم الجمعة الاخير من كل سنة في شهر رمضان يوماً للقدس التي يكاد الكثيرون ينسونها، بل ويقبلون ببقائها تحت الإحتلال والقهر وحتى التهويد.

هو المؤتمر الصعب في الزمن الصعب، هي كلمات الرئيس نبيه بري التي عبرت عن وجع الأمة العربية والإسلامية بأكملها، في وقت غاب النصير والسند، وتركت فلسطين لمصيرها المتأرجح بين الإعتداءات الصهيونية والإملاءات الأميركية والغياب العربي عنها، وتبرؤ الكثيرون من دمها.

المؤتمر الخامس لدعم الإنتفاضة الفلسطينية، حمل عنوانين أساسيين:

  1. كلمة السيد علي الخامنئي التي أعطت زخماً بحضوره وتفنيده لمعاني المرحلة والإستهدافات التي تواجهها الأمة، والتي اعتبرت وثيقة أساس للمؤتمر،
  2. كلمة الرئيس نبيه بري في الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر التي أعادت تصويب البوصلة باتجاهها الصحيح ووضعت نقاط الدواء على مواقع الوجع بصراحة وشفافية جعلت الحاضرين من أكثر من مائة دولة يقاطعونها بالتصفيق والهتاف والإستحسان غير مرة.

الرئيس نبيه بري قال الأمور كما هي، وشرح الواقع بتشخيص الطبيب البارع، بل ووضع الدواء الأنجع لمن يريد أن يرى الأمة ترفل بالصحة وبالوحدة وبالتكافل والتضامن بعيداً عن الحسابات والحساسيات والمهاترات التي لم تحرر أرضاً ولا أرجعت لاجئاً ولا حمت مشرداً، بل بقي كثيرون يجترون المواقف ويراهنون على أضغاث أحلام ويبحثون عن مفاوضات لم تنتج الا مزيداً من إضافة الوقت والفرص وكما كبيراً من التنازلات.

فلسطين ـ القضية هي حق الشعب الفلسطيني بأرضه وعودته إليها، وحقه بإقامة دولته ذات السيادة على كامل التراب الفلسطيني، وهي حق أن تكون أولى القبلتين القدس، التي تأبى أن تتحرر الا على أيدي المؤمنين الشرفاء، هي العاصمة للدولة الفلسطينية وللأمة جمعاء بمسلميها ومسيحييها وكل الأطياف الموحدة لخالق الأكوان وما عليها.

الرئيس نبيه بري كان واضحاً في كلامه من الحرف الأول أنه لن يكتفي باللجوء الى عبارات التضامن مع الشعب الفلسطيني، ولا الى عبارات الإدانة والإستنكار لجرائم الإحتلال الإسرائيلي وفي طليعتها اغتيال الشاب محمد الدرة، لأن صورته تتكرر في صورة حركة الجرائم الإسرائيلية المرتكبة منذ دير ياسين الى دير البلح، لذلك دعا الى اعتبار المؤتمر لأن يكون:

  • فرصة لكشف جرائم العدو.
  • لاستنباط وابتكار وسائل جديدة للمقاومة وللممانعة، ومثاله كان من التجربة، النموذج أن لبنان الذي يصطف خلف الثالوث الذهبي: الجيش والشعب والمقاومة، يزداد صلابة بمواجهة التحديات الإسرائيلية بالمناورات وعمليات استعراض القوة الكيانية على حدوده. لافتاً ان لبنان لا زال يمثل العدو العربي الرئيسي لإسرائيل كونه المنافس المحتمل لها في نظام المنطقة الإقتصادي. مؤكداً أننا على المسار اللبناني باختصار نؤكد أن المقاومة ستبقى تشكل قوة الردع للنوايا الإسرائيلية العدوانية، وهذه المقاومة تمثل في الواقع الراهن للشرق الأوسط ضرورة وحاجة لبنانية لمنع إسرائيل من إستغلال النظام العربي وتفككه لإستفراد لبنان أو المناطق الفلسطينية.

كلمة الرئيس بري, ككل كلماته, تتسع لتغطي فضاءات ما يحدث في العالم وانعكاساته على منطقتنا ودولها وشعوبها، خصوصاً وأن الإستهدافات التي قد يظن البعض انها متفرقة لا تؤثر على محيطه تشبه حالة من ينسى أنه (سيؤكل يوم يؤكل الثور الأبيض)، فكان لواقع دول المقاومة والممانعة التي هي في أعلى سلم الإستهدافات و(بنوك الأهداف) للإستعمار الأميركي ومخططاته للمنطقة وللعدو الإسرائيلي وعدوانيته وإرهاب دولته المنظم، كان لهذه الدول المقاومة والممانعة من إيران الى الشقيقة سوريا أعلى درجات الحرص على لفت الإنتباه الى ما يروج من أضاليل وافتراءات مبرمجة ومدفوعة سلفاً لهز استقرارها وإدخالها في أتون صراعات داخلية غريبة عن تاريخها وشعبها، من هنا كان سؤاله عن المقاطعة العربية الرسمية لإسرائيل بدلاً من سورية؟ ولماذا تصرف الأموال العربية على تمويل الإحتجاجات في سورية بدل دعم الشعب الفلسطيني للبقاء في أرضه؟ ولماذا ينصب جهد الإعلام العربي على زيادة التوترات في سورية بدل كشف جرائم الإحتلال الإسرائيلي وانتهاكاته ضد شعبنا الفلسطيني؟

والجواب الذي يملك مفتاحه الرئيس بري هو: لأن سورية، مثل إيران، تقع على خط المقاومة والممانعة للعدوانية والعنصرية الإسرائيلية، ولأنها تطالب بالسلام العادل والشامل وفق القرارات الدولية وبتحقيق أماني الشعب الفلسطيني.

الموقف المبدئي والثابت لرجل الكلمة والموقف الرئيس بري لامس الحقيقة التي دفعت برئيس مجلس الشعب السوري الدكتور محمود الأبرش أن يبدأ كلمته بالقول: باسم 23 مليون سورياً وباسم القيادة السورية وباسم الرئيس بشار الأسد وباسمي أشكر للرئيس نبيه بري موقفه الثابت والمبدئي تجاه سوريا. وهو ما دفع الحاضرين من كل المشارب أن يحيوا الرئيس بري تصفيقاً غير مرة.

هذه المواقف ليست غريبة أو جديدة على الرئيس نبيه بري الذي ما حوت كلماته يوماً الا الحرص على الوحدة في كل عالمنا العربي والإسلامي، والا الوقوف الى جانب الأحرار ومواجهة الظلم. هو من خط غيب إمامه السيد موسى الصدر في ليبيا لاستكمال دائرة المؤامرة لكنه كان حاضراً بقوة في المؤتمر, امام الوطن والمقاومة, والعلم البارز من اركان الصحوة الاسلامية التي انتبهت باكرا الى الخطر الاسرائيلي, ودعت الى مواجهة بالاسنان والاظافر والسلاح مهما كان وضيعاً. هو ابن الخط الصدري الذي حين انطلق صوت من إيران في برية العالم في سبعينيات القرن الماضي من بيت متواضع بأثاثه عظيم بإيمانه بربه وبدينه، يدعو الى الثورة التي أساسها لا شرقية ولا غربية بل وحدة إسلامية من حنجرة ما نطقت الا التعبد لله، من الإمام الخميني، كان الترداد والصدى في لبنان مع الإمام الصدر حاملاً بذرة المقاومة الأولى يغرسها في مجتمع المقاومة وثقافة المقاومة لتنبت تحريراً ونصراً وعزة كادت تغيب عمن لحقوا قطار كامب دايفيد وأخواته.

يومها خاف كثيرون من الثورة الإسلامية لخوفهم من مواقعهم وكراسيهم، ويومها خفنا على الثورة ممن يحاولون سرقة نورها الوهاج وتغيير مساراتها الى الدروب التي تناسب مخططاتهم وأهدافهم. لو أن هؤلاء ساروا على طريق الصحوة يومها واستيقظوا من أحلامهم لما تأخرت ثلاثة عقود عن موعدها. ولكن خير أن تأتي متأخراً من أن لا تأتي.

التاريخ يكتبه عظام آمنوا بربهم وبارادة التغيير في نفوس مؤمنة.

الرئيس نبيه بري حماك المولى وحفظك من كل شر، لتبقى صوت الحقيقة والحق الذي لا يعلو ولا يعلى عليه.

هذه التدوينة نشرت في الرئيس في الإعلام. الإشارة المرجعية.