خطاب الرئيس نبيه بري في الذكرى السنوية الحادية والثلاثين لتغييب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه ـ الضاحية الجنوبية

مجددا، ها نحن، يا سيدي، على مرمى عينيك وصوتك، نجتمع إليك في الضاحية الشموس المتوهجة بالحب التي ما زالت منذ تموز وآب قبل ثلاثة أعوام تلملم نصيبها من الألم أمام أعين الشك.
ها نحن في الضاحية الخضراء، الولادة في مواسم الرجال، العاصفة بالاحتجاجات دائما على الظلم والحرمان وعلى تقنين الضوء والماء والخدمات، والمعلقة بكبرياء على صليب الصبر، والمنغرسة القدمين في الأعاصير، التي لم تصرخ متوجعة خلال المسيرة وبقيت تهتف: أحد، أحد.
ها نحن نجتمع إليك في الضاحية المرسومة على منظار التصويب الاسرائيلي هدفا لا يتبدل، والتي قامت من تحت الركام والخراب كشجرة الحياة الكثيرة.
ها نحن نجتمع اليك في المريجة تحية ابنائك من المجاهدين وفي مثل هذه الايام 28 آب 1983 حيث كانت انطلاقة انتفاضة اسقاط اتفاق 17 ايار وبدايتها.
ها نحن، يا سيدي، كما في كل عام بل كما في كل يوم، نقف في الساحات لنجدد القسم بأننا سنبقى مثل موج البحر لا نهدأ ولا نتوقف عن الممانعة والمقاومة ما بقي العدوان والاحتلال، ولا نتوقف عن الاحتجاج ما بقى محروم واحد.
ها نحن، لا الاطفال وحدهم ولا الامهات وحدهن، ولا الكهول وحدهم ولا الشباب وحدهم، ولا طيور الجنوب وحدها ولا أرز الباروك وحده، ولا الشمال وحده ولا قمح السهل الممتد بين يديك في البقاع وحده، ولا الجبل المغسول بصفاء الثلج ولا ام الشرائع بيروت وحدهما.
ها نحن، لا لبنان وحده ولا فلسطين وحدها، ها نحن كلنا ننادي عودتك وانت لست في غياب، بل هنا بيننا مع الصيادين في صور والصرفند وصيدا وبيروت وجبيل وطرابلس، الذين يمشون طرقات الماء من اجل علة معاشهم، ومع الفلاحين في ضواحي الوطن وفي كرومه وحقوله وهم يبذرون قمح الضوء في حقول الليل والنهار، ومع العمال الذين يرفعون مدن الحياة على راحات أياديهم، ومع الامهات اللواتي يجددن ربيع الحياة، ومع الشباب المتألق كشمس الشتاء ومع الجنود الذين يحرسون أبراج القمر البدر، ومع المقاومين المتأهبين في مواقعهم المسحورة بين غزة والجنوب.
ها نحن، يا سيدي، يزيد شوقنا إليك وتزيد معرفتنا بك اماما وقائدا ومفكرا، ونحن نقرأ في موسوعة افكارك ومعارفك: الله سبحانه والقرآن والاسلام والانسان ووحدة الاديان والايمان والجزاء الاوفى، والبعث والاسراء والمعراج والولاية ورمضان وعاشوراء والقدس.
ها نحن وانت تشرح لنا كتاب لمعة الشرق عن الماضي والحاضر والمستقبل، تزيد مطالبتنا بجلاء قضية تغييبك وإخفائك وعودتك ورفيقيك سماحة الشيخ محمد يعقوب والصحافي الاستاذ عباس بدر الدين، الى ربوع وطنك واهلك وعائلتك وأبنائك في أمل وبعد وبعد.
فإننا، يا سيدي، لا نستغرب ابدا ان يزيد النظام الليبي من غيه وظلمه وإصراره على التنكر لقضيتك، فهو تنكر لكل قضية وأصبحت فلسطين في قاموسه الأخضر “اسراطين”، وأصبح شعار الوحدة في قاموسه المزيد من التفكيك، واتضح ان الحرية في قاموسه تغييب وسجن واعتقال وحجز. والعروبة عنده اصبحت خيمة في منهاتن.
ها نحن، يا سيدي، لا نستغرب انسانية من اطلقوا المعتقل الليبي المقراحي المتهم بتفجير لوكربي، ولكن نستغرب الا يتعلم النظام الليبي درسا في الانسانية فيطلق الامام الصدر المتهم بالتقريب بين المذاهب، والمتهم بالتعايش والوحدة الوطنية، والمتهم اكثر واكثر بالمقاومة، وبتأسيس المقاومة لقد اطلقوا الارهاب ولم تطلقوا المقاومة.

ونحن، يا سيدي، لا نستغرب ارتكابات ذلك النظام على مساحة عالمنا العربي لتمهيده امام حرب السيطرة على موارده البشرية والطبيعية. لا نستغرب ان تنتقل خبرة ذلك النظام في تخريب الاستقرار وزعزعة الانظمة العربية وتفكيك الوحدة السياسية للكيانات، وامكانات وحدة المصالح واللغات والتاريخ لتصبح افريقيا ميدانا لتحركه من اجل تمهيدها كذلك للانتقال من عصر الانتداب والاستعمار الى عصر السيطرة كذلك على مواردها البشرية والطبيعية. ولكن ما نستغربه، يا سيدي، هو ان يتولى قذافي ذلك النظام، ولو دوريا ونظاميا بعد أشهر، رئاسة القمة العربية، وهو الذي يقف على أعلى قمة الجريمة المنظمة والارهاب العابر للدول والقارات، فكيف ذلك أفيدونا أفادكم الله؟
وما نستغربه، يا سيدي، هو ان يفتك ذلك النظام بإستقرار المنطقة الافريقية العربية ويبقى بمنأى عن الحساب كأنه يمثل استثناء لا تطبق عليه المعايير الدولية وحده واسرائيل هما الاستثناءالا تطبق عليهما المعايير الدولية. بل هو يمثل ذلك الاستثناء، لأن من يملكون القدرة على توقيع العقوبات في الساحة الدولية، يرون فيه حارسا لمصالحهم ورأس جسر لاختراقاتهم للمجتمعات الافريقية بعد العربية ويرون في ثوريته الجامحة خير اسلوب لتحطيم الآمال وإحباط الأماني وإفشال أهداف التحركات الاصلاحية والثورية على مساحة آسيا وافريقيا.
اننا نتوجه الى النظام العربي الذي أصابه ما أصابه من نظام القذافي بسؤال عن مصير الامام الصدر على طاولة القمة المقبلة، ونؤكد لأمتنا وعالمنا ونظامنا العربي أننا نحن الأكثر إنتماء الى العروبة وقضايا العروبة ولأماني العرب، والذين قدمنا التضحيات وكنا على محاور كل القضايا العربية من ثورة الجزائر الى الثورة الفلسطينية، سوف نبقى نشغل بال العالم بقضية الامام القائد السيد موسى الصدر ورفيقيه العالم والمحدث والفقيه والساعي الى وحدة المذاهب وامام الوحدة الوطنية والتعايش، على امل ان يتولى النظامان العربي والاسلامي مسؤولية هذه القضية، ويصبح النظام الليبي طريد العدالة العربية والاسلامية وحتى الدولية بعدما اصبح،
والحمد لله، طريد العدالة اللبنانية.
اننا من على منبر الامام الصدر اذ نجدد شكرنا الخالص للاهتمام المتزايد الذي تبرزه الجمهورية الاسلامية الايرانية، قائدا وقيادة ومجلسا، فإننا ندعو منظمات حقوق الانسان المحلية والعربية والاسلامية الى تولي قضية الامام الصدر ورفيقيه، بإعتبارها ايضا قضية حقوقية وبإعتبارها قضية إنسانية وبإعتبارها قضية حرية.

الحضور الكريم،الاخوات والاخوة، يا أبناء الامام الصدر،
نلتقي اليوم في لحظة وطنية وإقليمية ودولية ضاغطة بالازمات المتنوعة على شعوبنا.
ابدأ بالازمة المالية العالمية، كما تعلمون فإن لبنان لم يتأثر بشكل مباشر بهذه الازمة بفعل نظامه المصرفي الذي اسهم في إتخاذ الاجراءات الكفيلة منع السقوط في عمليات الرهونات والاسهم، وبفعل الاغتراب اللبناني الذي يشكل ميزة مضافة الى لبنان والذي لطف من اخطار الازمة وانعكاساتها على المدى القصير، الا ان هذه الميزة ستقع تحت ضغط ظل الازمة على المدى الطويل بفعل تقلص فرص العمل في السوق الدولية، وهذا الامر سيؤثر على اقتصاد لبنان السري الذي يمثله المغتربون والمنتشرون اللبنانيون في العالم.
كما ان التضخم الركودي الذي قد تشهده الاقتصاديات الاولى في العالم خلال السنة المقبلة نتيجة اي انتكاسة ناتجة من عدم تحرك العجلة الاقتصادية العالمية واحتمال رفع الفائدة على العملات الاجنبية لحمايتها، امران يمكن ان يتسببا بضغط متزايد على واقع الازمة التي قد تصيب لبنان بالكثير من الشظايا.
انني اساسا، وبغض النظر عما ينتظر العالم جراء هذه الازمة، واستنادا الى الوقائع اللبنانية الراهنة والتي تشير الى تزايد معدلات الفقر وتقلص فرص العمل وتقنين الخدمات الحكومية، فإنني على المستوى الوطني وبإسم حركة “أمل” ـ حركة المحرومين ـ أدعو:
أولا: فخامة رئيس الجمهورية الى اعتماد سبل معالجة الازمة الاقتصادية ـ الاجتماعية في لبنان، وكذلك أزمة المديونية وسبل العمل على تقليص الديون وشطبها بندا على جدول أعمال طاولة الحوار الوطني اللبناني.
ثانيا: أدعو الحكومة العتيدة المنتظرة الى ترتيب أولوياتها انطلاقا من إعلان حالة طوارىء اقتصادية ووضع خطط ممرحلة للتخفيف من الأزمة وصولا الى وضع نهاية لها.
ثالثا: انني في هذه الأثناء وإزاء واقع الأزمة الضاغطة التي يعيشها لبنان، أدعو الى زيادة الضمانات والإئتمانات الصحية والى إنهاء الظلم المتأتي من النظام الضريبي وسياسة تحميل الفئات الدنيا والمتوسطة العبء الضريبي عبر التوسع والاستسهال بفرض الرسوم والضرائب غير المباشرة.
انني اليوم وعلى منبر الامام الصدر نفس المنبر الذي أسس للتحرك الشعبي المطلبي منذ نهاية الستينات، ولأن السياسات الحكومية لم تنفذ مطالب مختلف القطاعات، فإني أعلن ان مشاركة حركة امل في أي حكومة سوف لا تكون على حساب أهدافها، وهي سترسخ حضورها كحركة للمحرومين وستكون طليعة الحركة المطلبية في سبيل التنمية المتوازنة، وستتبنى دون أي تردد او مسايرة او مداورة مطالب الاتحاد العمالي العام ومختلف النقابات والقطاعات المهنية والتربوية والثقافية والصحية والشبابية والنسوية.
وأقول اليوم لجماهير الامام الصدر التي نقف مسؤولين امامها لا عنها، ان حركتكم، حركة الامام الصدر، حركة المقاومة ومشروع المقاومة للعدوان الاسرائيلي وللحرمان ستستعيد نفسها كذلك كحركة للمحرومين لا للموظفين، حركة لا تقاسم الحاكمين الجبنة على موائد المغانم بل حركة لمنع الاحتكار والظلم وتقاسم المغانم والفساد.

انني في مهرجان الوفاء للامام المغيب السيد موسى الصدر اقول للذين يريدون ان يكونوا معنا ومثلنا، اننا تعبنا من الانتهازيين والوصوليين والذين يعتبرون حركة امل ومواقعها سلما للوصول الى أهدافهم وغاياتهم.
ونقول ان حركة امل ـ حركة المحرومين ـ حركة المقاومين ـ حركة الشهداء ـ حركة اللبناني نحو الأفضل، تعبر عن الايمان بالله بالمعنى الصحيح من الايمان، وتعتبر ان الايمان بالوطن وبالانسان لا ينفصلان، وهي تمثل ما رسمه لنا امامها ومؤسسها: القوة الشعبية الفاعلة للمشاركة ورفض الحرمان، للوحدة ورفض التقسيم، لفلسطين ورفض التوطين، وهي ستعمل دائما لتخطي خطر تعرضها للتصنيف الطائفي ومجابهتها بأخطار الانقسام الطائفي.
ان القاعدة التي ستحكم حركتنا منذ اللحظة هي تحقيق المطالب، ورفع الحرمان، وتعميم العدالة على المناطق، انطلاقا من التأكيد اننا بحاجة الى وطن عزيز كريم، آخذين بعين الاعتبار ان العدو الاسرائيلي يتربص بالوطن وان حركتنا لن تفقد دوافعها وتتجه الى نقيض وجهتها.

أيها الأعزاء، اننا في اطار المهام المطروحة على حركة المحرومين وعلى تكتلها النيابي، نؤكد ان اولى أولوياتنا العمل لتنفيذ مشروع الليطاني الذي هو مشروع كبير المهندسين العرب الشهيد ابراهيم عبد العال ومشروع الامام المغيب السيد موسى الصدر.
ان هذا المشروع يمثل اكبر استثمار وطني لتشغيل الموارد البشرية والتنمية على مساحات واسعة من لبنان خصوصا منطقة جنوب نهر الليطاني.
اننا نستغرب ان تتذرع الحكومة بعد المناقصة ورسوها بحجة الاستملاكات، بينما الحقيقة هي الرضوخ وهنا نأسف للوضع المتمادي لمطلب اسرائيلي بعدم الاستثمار على الليطاني وهذا ما يذكرنا بعملية الليطاني الحربية الاسرائيلية عام 1978 والتي اطلق عليها عملية الليطاني.
اننا هنا نشكر الاهتمام الكويتي بإيصال المشروع الى محطة التنفيذ، ولكن المشكلة تبقى في ان الحكومة اللبنانية لم تستفد من دروس المقاومة والممانعة ولا من درس الوزاني الذي اخذنا جزءا من حصتنا رغم التهديدات بالحرب، وسنتابع اخذ حصتنا كاملة غير منقوصة.
فإننا على الصعيد الوطني أيضا من اجل مصالح الناس سنحافظ على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وسنعمل من اجل استعادة دور ومهمة المجلس الاقتصادي ـ الاجتماعي وتعيين أعضائه، اذ لا يجوز على اي نحو ولا يحق لأحد إعدام المؤسسات التي بإمكانها المساهمة في صنع السياسات العامة كما حدث لهذا المجلس، وكما جرى بالنسبة للمجلس الدستوري، وكما جرى إعدام وزارة التصميم منذ عقود.
اني أقول هنا ولأصدقائنا ولحلفائنا ولجميع اللبنانيين، ان إعادة العمل بوزارة التصميم والتخطيط هو ضرورة وطنية إضافة الى انه يمكننا من تصفية الهدر والعشوائية والاستنسابية في تنفيذ مشروعات التنمية، كما انه يشكل المقدمة التي لا غنى عنها لإلغاء الصناديق والمجالس والهيئات، علما ان هناك ما هو منها دستوري وقانوني ومنها ما هو غير ذلك.
وفي سياق التخطيط والاصلاح نقول، انه حان الوقت لتشكيل بنية تحتية لخطة عمل اصلاحية على مستوى الادارات وبنية تحتية للمسؤولية عن كل السياسات، بحيث نعرف مثلا لماذا هي مشكلة إنهاء ملف المهجرين؟ لماذا هي مشكلة لاستكمال التعويض لمتضرري حرب 2006؟ واذا لم تأتنا التعويضات من العالم العربي هل تعني ان لا تعود الدولة راعية، هل يعني ان تصبح تاجرة؟ ولا تقدم شيئا ايضا. ما هي مشكلة الكهرباء ومن هو المسؤول عن الفيول وتوزيع الانتاج والتقنين، والى متى سيستمر السير على حافة الهاوية في تقرير السياسات العامة؟
لماذا انتحار لبنان المائي؟ كلنا يعلم ان الحرب المقبلة للعالم كله هي حروب مائية، فلماذا انتحار لبنان المائي ولماذا عدم انتشار السدود ولماذا ولماذا؟ وصولا الى منابع الغاز في مياهنا وبحورنا؟

أيها الأعزاء، ان حركة امل ـ حركة المحرومين ـ معنية كذلك بصياغة تفاهمات مع القوى الحزبية والبرلمانية الحية في لبنان من اجل تحرك قوي يدفع الى الامام بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية. صدقوني، وانا في اخر الثلث الاول او قبله من شهر رمضان المبارك، لا مستقبل عزيز لهذا البلد طالما ان الطائفية موجودة بيننا.
ان حركة امل ملتزمة مع كل القوى اللبنانية الحية بالنضال بكل الوسائل الديموقراطية من اجل الوصول الى:
1.إقرار قانون للانتخابات يعتمد على الدوائر الكبرى والنسبية.
2.إقرار البطاقة الانتخابية الممغنطة.
3.إصدار التشريع الخاص بخفض سن الاقتراع من اجل تمكين الشباب من المشاركة الكاملة في كل ما يصنع حياة لبنان.
4.ضمان مشاركة المرأة في كل ما يصنع حياة الدولة والمجتمع.
5.ضمان تصديق واقرار تشريع يضمن مشاركة المغتربين السياسية الكاملة.
6.إنجاز قانون اللامركزية الادارية.

ايها الاعزاء، انا اعلم انكم كلكم تريدون سماع شيء عن اعجوزة الحكومة والتي دخلت حلقات المسلسلات الرمضانية وقد تنتهي ان شاء الله بانتهائها.
غير ان الحركة معنية بقيادة ثورة بيضاء عصرية لتحقيق المطالب، ومن اجل اصدار وتحديث القوانين التي تسهم بالتأكيد على ضرورة الدولة وعلى أدوار الدولة وعلى العبور الى مرحلة الدولة.
إنكم يا أبناء الامام الصدر ويا شعب لبنان شعب الامام الصدر، ويا إنسان لبنان الانسان الذي اعتبره الامام الصدر ثروة لبنان، انتم المسؤولون عن صيغة لبنان غدا، الصيغة التي لا تتعرض لانتكاسات كل ما دق الكوز بالجرة، والصيغة التي لا تتعرض لاطلاق نار والاهتزاز كلما تهددت مصالح الزعماء او الطوائف، لا الوطن للتهديد، والصيغة التي لا تحتاج الى أجهزة ظل أمنية، والصيغة التي لا تحتاج الى عمليات التسلح الجارية على قدم وساق، والصيغة التي لا تقبل ان تعيد بعض الميليشيات الامور الى الوراء، والصيغة التي لا تكون غطاء للجريمة المنظمة والتي لا تغطي حركة الارهاب من عين الحلوة الى نهر البارد الى الفرار من سجن روميه.

أيها الأعزاء،
ومن حدود الوطن، فمهما كانت اتجاهات الموقف الاسرائيلي وأهدافه ورهاناته، فإن لبنان يملك جملة اسلحة اساسية للدفاع عن النفس، وفي طليعتها:

أولا: وحدته الوطنية وتماسك جبهته الداخلية، واسرائيل تحاول تفكيك هذه الجبهة وإيجاد شرخ في العلاقة بين الدولة والمقاومة، وبين المواطن والمقاوم، وفئات سياسية والمقاومة، وهذا الامر يتطلب زيادة عناصر الثقة والحوار والوفاق ومساحة التفاهمات بين جميع القوى السياسية على مساحة لبنان.

ثانيا: تلاحم الجيش والمقاومة والشعب لمواجهة اي عدوان اسرائيلي واستتباعاته، وزيادة عديد الجيش وتسليحه بالمنظومات الدفاعية لا التشكيك به.

ثالثا: لا حاجة للتأكيد هنا، أن حركة امل ـ حركة المحرومين ـ ترى ان المقاومة تمثل ضرورة وحاجة لبنانية ليس حتى تأكيد الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية فحسب، بل حتى تأكيد عدم لجوء اسرائيل مجددا لاستخدام القوة او التلويح بالقوة ضد لبنان، وحتى تأكيد حقوق لبنان المائية.

رابعا: اننا في حركة امل نؤكد حق اللبنانيين والفلسطينيين في المقاومة لتأكيد وتثبيت حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم، لأننا لا نرى أن قضية فلسطين هي قضية ارض، بل هي قضية شعب قبل ان تكون قضية أرض.

اننا لا نصطنع خطرا حين نتحدث عن خطر التوطين، بل اننا نحذر من وجود توافق دولي ورضوخ عربي لمؤامرة التوطين، والمقاومةالفلسطينية والمقاومة اللبنانية هما السبيل الوحيد لإجهاض هذه المؤامرة.

خامسا: وفي مناسبة الحديث عن الوطن وحدوده وجنوبه، فإننا لا بد ان نشير الى الاهمال الحكومي المستمر لملف مقاضاة اسرائيل على جرائمها ضد الشعب اللبناني، علما ان هذا الملف يقيم في ادراج وزارة العدل ويتضمن عناصر الجرم، خصوصا ان وزير العدل الاسبق والاستاذ الدكتور بهيج طباره أعد دراسة قانونية وافية عن الجهة ذات الصلاحية التي يقتضي اقامة الدعوى أمامها.

أيها الأعزاء،
في المسألة السياسية، لا بد أولا أن أتوجه بالتحية والتقدير إلى أهلنا وجيشنا ومقاومتنا الاسطورية في مناسبة الذكرى الثالثة للانتصار بمواجهة العدوان الاسرائيلي على بلدنا عام 2006، وأخص بالتحية أخي في المقاومة والوطن والهدف سماحة السيد حسن نصرالله الأمين العام ل”حزب الله”.

ثانيا: لا بد ان اتوجه بالتحية والتقدير الى الصديق اللدود الودود وليد بك جنبلاط الذي لا يخطىء البوصلة في المسائل المصيرية ولا يخطىء العدو ويلتزم المعنى الذي صنعناه معا لعروبة لبنان وتطوير النظام السياسي في لبنان، عندما كنا شركاء الانتفاضة على الفئوية وعلى 17 ايار، وعلى مشاريع التقسيم والتوطين، ونحن ما زلنا شركاء في تفسير حلمنا بلبنان غدا وطنا للحرية والسيادة والاستقلال والعروبة والمشاركة.

ثالثا: كنت ولا أزال مؤمنا بمعادلة “س. س” السعودية – السورية، وما زلت أرى ان هذه المعادلة تشكل المدخل للعبور الى استقرار لبنان عبر الطابق العربي، وهذه المعادلة لا تعني ابدا الانتقاص من أهمية او مرجعية اي بلد عربي، ولا سيما دولة قطر التي كان لها إسهام أساسي في حل الازمة السياسية اللبنانية.

انني لا اريد ان أدخل في موضوع الحكومة التي والحمد لله بدأت الحلقة الاخيرة بانشائها، فقد أعلنت صياما عن الدخول في اي تفاصيل حتى يؤذن مؤذن الحكومة بالافطار.

أيها الأعزاء،
من لبنان الى محيطنا العربي والاقليمي أؤكد، انه من صميم إلتزاماتنا الحركية نرى ان دور لبنان ومصلحته تكمن في بناء الثقة في العلاقات العربية – العربية، وفي اطلاق فعاليات العمل العربي المشترك في كل المجالات لمواجهة جميع التحديات والاستحقاقات الضاغطة على الامة واقتصادياتها، ونرى ان المصلحة الوطنية والعربية تكمن في دعم كل المساعي والتحركات الهادفة إلى تعزيز العلاقات مع سوريا ودول الجوار الاقليمي المسلمة، وفي الطليعة ايران وتركيا.

هذا في العام، اما في الخاص وانطلاقا من فلسطين، فإننا نهنئ قيادة حركة “فتح” الجديدة التي انتجها المؤتمر العام، فإننا ما زلنا نرى ان المصالحة الفلسطينية هي الجديرة بالتهنئة، واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية هي الجديرة بالتهنئة ايضا لأنها الاساس للنضال الفلسطيني في سبيل تحقيق الاماني الوطنية للشعب الفلسطيني.
اننا نجدد الدعوة الى قيادتي فتح وحماس لتحسين شروط التفاوض وتقديم التنازلات المشتركة التي تؤسس لبناء التفاهـم فيمـا بينهمـا تمهيدا : أولا لإعادة انتاج وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية كإطار ضامن للكفاح الوطني الفلسطيني وثانيا لاعادة بناء وحدة ومركزية السلطة الوطنية الفلسطينية على قواعد الديموقراطية.

على الصعيد الاسرائيلي نبدي اسفنا لانتصار نتنياهو على الادراة المركزية الجديدة، اذ نلاحظ تكثيف الحملة الاستيطانية الاسرائيلية على القدس وصولا الى طرد العائلات وافراغ حي الشيخ جراح من سكانه، فإننا نرى فيما يجري من طروحات حول يهودية الدولةوالتراجع الاميركي حتى عن تجميد مؤقت للاستيطان مقابل خطوة تطبيع، هو صرف من الجيب الفلسطيني لحساب اسرائيل، ونؤكد ان المطلوب وقف الاستيطان لأنه غير قانوني ومعيق للسلام، ونحن اساسا نرى ان اسرائيل تفتقر الى ارادة السلام وغير مؤهلة للسلام، وان اليمين الاسرائيلي بل كل الاحزاب الاسرائيلية تكسب الوقت لاستكمال تصفية الوجود الفلسطيني في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، في الوقت الذي لاتزال فيه اسرائيل تحاصر حق الحياة في غزة، وتؤهل القطاع ليكون مخيما كبيرا للشعب الفلسطيني الذي سيتحول الى شعب لاجىء اذا لم تطلق حملة إعمار غزة فورا، واذا لم يتم دعم صمود الفلسطينيين في ارضهم المحتلة عام 48 وفي القدس، اسرائيل تربح الوقت كي يضيع زخم الرئيس اوباما وهذا ما يظهر على الشاشة.

اننا ننبه من ان اسرائيل ستواصل السعي لما يوصف بالسلام الاقتصادي ونحن نذكر الجميع بأننا كنا اول من حذر من مشروع اسرائيل الكبرى اقتصاديا والذي يتكامل اساسا مع مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي يحمل شهادة منشأ اسرائيلية.

من فلسطين الى العراق حيث يبدأ كل شيء في الشرق الاوسط وحيث ينتهي كل شيء، فإننا نؤكد على وحدة هذا البلد الشقيق ارضا وشعبا ومؤسسات، ونرى ان العراقيين قادرون وطنيا على صنع ديموقراطيتهم ونظامهم السياسي، وان الفتنة والموت المجاني وحفلات الاعدام الجماعية بواسطة الانتحاريين، كلها عادات غربية عن العراق لا بل ان هذه العمليات دعوة مفتوحة لبقاء الاحتلال.

وفي كل الحالات فإن إستنزاف طاقات وإمكانيات الاقطار العربية عبر تبديد قوتها في حروب استتباع صغيرة على النحو الذي يجري في العراق واليمن والصومال والسودان وعلى ما كان ولايزال يحضر للبنان، امر لا يجري مصادفة، انه فيلم اميركي طويل بل اسرائيلي طويل.
فالتمويل والتسليح وإثارة التوترات السياسية والعرقية والطائفية والمذهبية، امر يجري في سياق استراتيجي لتمهيد المنطقة وملاءمتها لمشروع الشرق الاوسط الكبير.

ان الضعف لن يحسم شيئا، بل الاعتراف بالآخر هو الذي يؤسس لتعايش داخلي ممكن بين الاطراف، على قاعدة المشاركة الحقيقية وهذا ما كانت تقوله تجربة لبنان التي استهدفت ولاتزال.

ان مواجهة الوقائع الدامية التي تتجاوز الاقطار العربية الى الاقطار الاسلامية من باكستان الى افغانستان والتهديدات الارهابية لاستقرار اندونيسيا وغيرهم، هذه المواجهة تستدعي تعاقدا مشتركا على مستوى النظام الاسلامي لمواجهتها، ونحن في هذا المجال ندعو الى بناء مشروع الشرق الاوسط الاسلامي الكبير، بدءا ببناء سوق اسلامية مشتركة.

أخيرا يا سيدي الامام الصدر، فإننا سنبقى ما حيينا ملتزمين الوحدة والتعايش والحوار والوفاق نهجا، وملتزمين بأن يكون بلدنا لجميع أبنائه قادرا بطاقاته وبصداقاته وبدعم الدول العربية، وبإحترام العالم لديموقراطيته وتاريخه ومستوى شعبه على صد الاعداء، واننا سنبقى الحريصين على تحريرك ورفيقيك، لأن حديث الحرية في لبنان سيكون دون معنى اذا ما استمر سجنك، وان وعدنا وعهدنا إليك ان نكون الاكثر حرصا على الانسان لأنه ثروة لبنان.

واختم ناقلا تحية رئيس الجمهورية لانه شرفني بتمثيله.
عشتم يا سيدي الامام الصدر، عاشت حركة امل حركة المحرومين وعاش لبنان”.

هذه التدوينة نشرت في ذكرى تغييب الامام الصدر. الإشارة المرجعية.