الرئيس بري من باريس: نسعى إلى إحلال الحوار مكان التوترات

بداية، أود أن أتوجه بالتحية إلى صديق لبنان دولة الرئيس جيرار لارشيه رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، من كل لبنان، من شماله إلى أقصى نقطة في جنوبه، وأن أحمل إليه تحيات الكثير من أصدقائه الذين يلمسون محبته المتزايدة للبنان وسهره على أن لا يدخل لبنان أي تجربة شريرة جديدة. كما يشرفني أن أجدد لقائي بدولة الرئيس لارشيه للمرة الثانية هذا العام بعد زيارته المهمة والشاملة للبنان قبل ثمانية أشهر، والتي وصل فيها إلى أعمق نقطة على الحدود اللبنانية الجنوبية، بلدة يارون. وهذا الأمر أثار إعجابنا بشخصيته وإنتباهه إلى منطقة لبنانية حدودية نائية تكاد الدولة في لبنان لا تصلها لولا وصلها الجيش اللبناني. ويسرني أيضاً أن أهنئ دولة الرئيس لارشيه لمناسبة اليوبيل الفضي لاستمرار مسيرته البرلمانية العريقة، والتي تمتد منذ إنتخابه للمرة الأولى سيناتورا عن منطقة إيفلين في الثامن والعشرين من أيلول عام 1986.

أؤكد للرئيس لارشيه أن مسيرة العمل التشريعي في لبنان متصاعدة وتتطور يوماً بعد يوم وتكتسب المزيد من المهارات والخبرات، خصوصاً في مجال صنع القوانين، وقريباً في مجال الرقابة على تطبيق القوانين وضمان صدور مراسيم تطبيقية لها ومنع التعسف أو الإساءة في إستخدامها. ومع إنتهاء أعمال التسوية في أبنية المجلس، ستنطلق أعمال وحدة تحليل الموازنة. كما سينطلق عمل مركز التدريب البرلماني، وسنعود إلى تطبيق برامج التعاون مع كل المؤسسات الدولية المهتمة بالتطوير البرلماني، حيث وقعنا المزيد من الإتفاقات في هذا الصدد، وستنفذ إحدى المؤسسات الدولية مشروعاً بتمويل من الإتحاد الأوروبي.

في هذا اللقاء، أوجه عناية دولتكم ومجلس الشيوخ الفرنسي الذي يربطنا معه بروتوكول تعاون منذ ثماني سنوات، إلى أن مجلسنا سبق له، بعد انعقاد مؤتمر باريس1- أن أنجز التشريعات الأساسية التي مهدت لانعقاد باريس 2 و3، وأي تلكؤ في إنقاذ قرارات مؤتمرات باريس مصدرها الحكومة السابقة، حيث خاطر مجلس النواب بإقرار قوانين غير شعبية منها قانون الضريبة المضافة، إلى جانب تحرير قطاع الإتصالات وقانون الكهرباء والرقابة على تبييض الأموال. كم اتخذنا على الصعيد البرلماني عدداً من المبادرات في طليعتها إقرار قانون النفط والعمل على ترسيخ الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

لقد تبدل الكثير في المشهد السياسي الشرق أوسطي منذ زيارتكم لبنان إلى اليوم. وزادت عمليات الإستيطان ومصادرة الأراضي وتجريف المنازل والإعتداءات على الأماكن الدينية وإحراقها، خصوصاً المساجد والحفريات في أسفل المسجد الأقصى. وكذلك، رفعت سلطات الإحتلال الإسرائيلية من وتيرة عمليات القمع والإغتيال والإعتقال، وصولاً إلى تتويج كل تلك الإجراءات بإقرار الحكومة الإسرائيلية تعديل ما يسمى قانون المواطنة والقاضي بإلزام المرشحين لنيل ” الجنسية الإسرائيلية” أيا كانت ديانتهم قسم الولاء لدولة إسرائيل يهودية ديموقراطية. هذا القانون وتعديلاته يعبر عن عنصرية سوداء وتشريع للتطرف ودعوة مفتوحة إلى ترحيل السكان العرب الذين احتلت إسرائيل بلدهم وصادرت أراضيهم. وعلى المستوى العراقي، أدى إحتلال العراق إلى المزيد من الإنقسام السياسي والطائفي والمذهبي والعرقي، وأنتج عجزاً عن تشكيل حكومة توافق وطني.

على المستوى اللبناني، فأننا لا نخفي عليكم أن بلدنا يعيش حالاً من التوتر والقلق على المصير، إلا أننا في كل مرة نلمس أن لبنان يقع تحت ضغوط متنوعة،لأن هناك أجندة دولية تريد جعل وظيفته تحويل الإنتباه عن قضايا المنطقة من المفاوضات والوضع في العراق فأفغانستان والضغوط على الملف النووي الإيراني. واسمحوا لي أن أقول أيضاً أن التوتر المسلح والقلق على المصير الذي منشأه أن إدارة التحقيقات في ما يخص جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري تمت بطريقة لا تخدم وحدة لبنان. لقد جرى حرق الوقت على قصص وروايات مضللة وسنياريوهات غربية عجيبة، في الوقت الذي كنا فيه ولا نزال، ومثلنا كل القوى الأساسية السياسية والبرلمانية في لبنان تريد إخراج التحقيقات من الإطار السياسي المحلي الضيق، وتريد الحقيقة والعدالة.

في المقابل، نسعى في لبنان إلى إحلال الحوار مكان التوترات وإبعاد شبح الفتنة، والجميع من دون إستثناء يريدون ترسيخ إستقرار النظام العام وإنطلاق الحكومة للقيام بمهماتها، خصوصاً أن المواطنين يعيشون وسط تقنين في مختلف أنواع الخدمات الحكومية.

لقد أطلت عليكم، ولكن كل ذلك كان في سبيل إستدعاء دور أوروبي وفرنسي على وجه الخصوص فعال وملموس في الشرق الأوسط. لقد تم إقصاءالإتحاد الأوروبي عن أي دور فاعل في المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية وتحولت أوروبا فقط إلى صندوق للمساعدات، فيما تحول دورها في أفغانستان إلى ثكنة لتصدير المزيد من الجنود لدعم عمليات إيساف المستمرة إلى الأبد. كما تحول الدور الأوروبي في الملف النووي إلى دور سلبي يلبي أو يتلاءم مع الضغوط الاميركية ذات البعد السياسي. أما الدور الأوروبي في تمكين لبنان من الخروج من أزماته ولعب دور في نظام منطقته فما زال ممكناً ويعتمد على إصرار فرنسا على تحمل مسؤولياتها. ومجدداً، أشكر لكم إتاحتكم الفرصة لزيارة بلدكم، وأؤكد أفضل العلاقات بين فرنسا ولبنان.

هذه التدوينة نشرت في خطابات. الإشارة المرجعية.