الردة على الوطن القادم

بقلم الرئيس نبيه بري

   كما تتألم الأشجار وهي واقفة عندما يستحيل الليل جرحاً في اضلاعها.

   كما يتقلب الكلام على جمر الشفاه التي تباع في السلال على ارصفة الوطن.

   كما ترتجف حالياً الساحات التي استقبلت شباب لبنان من كل جهات وفصول آذار مشككة وقلقة، بعد تمرد الكبار على وعودهم بوطن يتسع لكل الاعمار.

   هكذا لم تعد بيادرنا غلال احلام في خواطر حواكير الشباب.

   حدث ذلك في محصلة نهار الأثنين الشاق في 22/2/2010، حين جلست امام مرآة نفسي ممسكاً قلمي لأكتب على اوراقي التي بدت مرتبكة صورة مشهد حفلة اعدام مشروع القانون الرامي الى تعديل المادة 21 من الدستور بخفض سن الاقتراع الى 18 سنة، في الوقت الذي كنت قد الزمت نفسي ان اكتب شهادتي ومشهديتي الى ” نهار الشباب”  فأحسست اني لست على بعضي، وانه قد اصابني شيء من الاحباط، وسألت نفسي: “ما عدا ما بدا” لتكون نتيجة الاقتراع على النحو المخيب لآمال الشباب؟ وانتهيت الى نتيجة واقعية مؤسفة، هي انه لم يبق من طموحات الشباب واحلامهم بالمشاركة في كل ما ينتج حياة المجتمع والدولة سوى مجلة ” نهار الشباب” تمتص اوجاعهم وتشرب امانيهم الوطنية وتتحمل نصوصهم الخشبية وهي مجردة من الاحساس بالوقت الذي يمر على حساب الاجيال.

   انتبهت في هذه اللحظة الى ابنائنا الذين يضرسون وقد اكل نظام الآباء الكهل كل الحصرم.

   انتبهت كيف ان اعمارنا المريرة، وهواجسنا ومخاوفنا تجعل الآباء لا يعترفون بأبنائهم، ويتنكرون لحقيقة شبابهم، وكيف يصل الآباء الى حد رفض الاعتراف بالآخر بل الى حد الاعتقاد ان “لا آخر بعد الآن”.

   انتبهت كيف ان اكثرية في مجلس النواب انكرت ثلاثاً قبل صياح الديك اقرارها في المجلس السابق خفض سن الاقتراع، وكيف اننا نتنكر لأبنائنا وهم يعدون في سهول الوقت نحو الوطن القادم، وكيف وكيف؟.

   انتبهت وربما سينتبه آخرون من الذين “اضربوا” عن الاقتراع، بأن السلطة المتعاقبة تجرأت على الاستدانة على مستقبل الاجيال التي تمنع عنها المشاركة في العملية السياسية المتمثلة سواءٍ بالنتخابات المحلية اليوم والنيابية بالأمس وغداً.

   انتبهت الى عمق مباغتتنا للاجيال بهذه الطعنة في اعمارهم.

   انتبهت الى ان الدولة التي تحرم اجيال الشباب في وطنهم ممارسة حقوقهم وفي طليعتها حقوقهم السياسية، تفتح امامهم الابواب للهجرة، فيغادرون وهم يحملون شهادتهم الجامعية الى غربة الروح، حيث يخطفهم الومض ويستحيلون محرومين وطنهم.

   انتبهت، وها انا اقرع الاجراس لأنبه الجميع، الى ان الدولة التي لا توجد فرصاً للعمل، والى ان الدولة التي تجعل الوطن مساحة عقارية مفرزة للبيع، والى ان الدولة التي تمنع عن مواطنيها حق المشاركة، والى ان الدولة التي تعاقب المرأة ب”الكوتا”، والى ان الدولة التي يعتبر البعض فيها ان النسبية تحتاج الى معلم في وقت لا تتسع مناهجها للتربية على الديمقراطية ــ هذه الدولة ــ سوف لا تترك لمواطنيها غير رمادهم او رمادها.

   انتبهت وها انا اناشد ــ والمناشدة وسيلة ديمقراطية تسبق الدعوة الى الاجتماع والاحتجاج ــ اناشد الجميع ان يفسحوا المجال امام الشباب الذين يهبون دائماً للمقاومة والدفاع عن الوطن والشهادة ليتمكنوا في ما بعد من ممارسة حقهم في الحياة.

   انتبهت، وها انا اصارحكم بأن الوطن ليس رقعة شطرنج لا تتوجع عليها البيادق حين تقتل، ولا تصهل عليها الخيول وتموت عليها الملوك بصمت دون ماء.

   انتبهت وها انا اصرخ في بريتكم بأن الوطن ليس كتاباً للنهايات، وان الشباب لو ارادوا لقلبوا السحر على الساحر، وكتبوا نهارهم ناضجاً بالضوء، وكتبوا وطناً نظيفاً لا يشوه بالأفكار المتجمدة لـ “وطن الطائفية”، وكتبوا وطناً مسكوناً بالورد، واستعادوا اليه حرية الحلم، وكسروا خلف اقتراعنا ضد اعمارهم جرة مواويل الحزن، وجرة مواويل الأسف، وجرة مواويل الكلام الملتبس عن العبور الى الدولة، ولكسروا كل جرار الطائفية السياسية التي هي اول الداء.

   الآن انبهكم الى ان نحلة الشباب تسكن ازهار عمري الذي يحمل الكثير من التجربة، وانا اعدكم بأني سأعرضكم دائماً للتجربة، واني لن ادعكم تنجون بفعلتكم، وها انا اذا اكتب اول الكلام وادخل من باب “نهار الشباب” الى بيتكم، حيث الوطن يزدهر بالأمل.

هل يسمع اهل الردة … اقلوبنا مع الشباب وسيوفنا عليهم؟!

هذه التدوينة نشرت في خطابات. الإشارة المرجعية.