الظاهرة الجمالية في نص الرئيس نبيه بري

_HIM1658

كتب مصطفى فوعاني

الظاهرة الجمالية تتولد من خصوصيات يمتاز بها البناء اللغوي الأدبي، حيث في الأدب وحده يتم إستغلال مستويات اللغة: الصوتي والتركيبي والأسلوبي… وبذلك تتحقق من خلال بناء ذاتي خاص، وعلى صعيد الإنزياحات التركيبية، في عمليات تقديم وتأخير وحذف وتكوين كلامي الخبر والإنشاء والحذف… وعلى صعيد الأسلوب: خروج المفردات على معانيها الوضعية إلى دلالات تضمينية، وتعدد الدلالات واللاحسم في المعنى المقصود، وصولاً إلى الغموض الموحي…

ها نحن نقدم نصاً ذا صيغة جمالية، نحاول أن نقاربه دون أن نحده فهو السهل الممتنع…

-النص:

للذي أيقظ الأمل في قلوبنا

بعد أن كانت الحياة أضيق من ثقب إبرة.

وبعد أن كان الحرمان والعدوان على صدورنا دون توقف

للذي أيقظ العصافير في أحلامنا

وأغاني الماء في ينابيعنا

وقطرات الضوء في فجرنا

للذي أشعل إبتسامتنا أزهار المواسم أشجارنا

للذي علمنا أن نتطلع نحو الشمس ونحو الغد وعلمنا المقاومة للإمام القائد السيد موسى الصدر مؤسس حركة أمل الذي نستدعي بركته في لحظة إفتتاح المؤتمر التربوي الداخلي لمؤسسات أمل التربوية…

تحيات أمل المقيمة على الخط والنهج

وبعد وبعد…

1– موضعة النص وتأطيره

النص هو كلمة رعاية، ألقاها الأستاذ الرئيس نبيه بري في المؤتمر التربوي الثالث لمؤسسات أمل التربوية في “مسرح الأمل-ثانوية الشهيد حسن قصير-بيروت/الخميس-5/آب/2010”

يتعين المتكلم، المتكلمون بالإحالة الضميرية: ضمير المتكلمين{نحن}: قلوبنا، صدورنا، أحلامنا…

ويتحدد المرسل إليه بالإحالة الضميرية {هو} والنص مصدر بإسم الموصول {الذي} مسبوقاً باللام {حرف الجر} ومن معانيه ها هنا: الملكية وإنتهاء الغاية…

ومن خلال مراقبة النص، يتعين المرسل إليه: بالإمام السيد موسى الصدر…

أما مدار الكلام، فهو على دور الإمام الصدر في حياتنا الفكرية

وهو نص يترجح بين الشعر والنثر… فهو قصيدة نثر.

2- مراقبة النص:

أ- بنية النص: الإخراج الطباعي يكشف عن الكتابة الخطوطية شبه النثرية كثرة العودات إلى السطر، وهيمنة النقاط الثلاث وعن مساحة بيضاء كلما حصلت عودة إلى السطر…

ب- لمتكررات:

– للذي {4مرات} والضمائر المحلية إليه {5مرات}

– نحن/المتكلم {10مرات}

– الحياة، الحرمان، العصافير، أغاني الحياة…

– بعد أن {مرتين}

ج- البنية الصرفية والنحوية:

– الفعل الحاضر {مرة واحدة} نتطلع.

– الفعل المضارع المسبوق بالماضي {2}

– الفعل الماضي بدلالة الحاضر والمستقبل والإستمرارية{9مرات}

– ضمير المتكلمين {10مرات}

– ضمير الغائب/الحاضر {8مرات}

– الإكثار من التوازيات، ومركزة إسم الموصول {الذي} {4مرات}.

3- مقاربة النص الوصفية:

أكثر المتكررات هو نحن، وهو. وأكثر النعوت هي، مفردات الحياة بمعانيها التضمينية {العصافير، الينابيع، الشمس…}

وإذا ما حاولنا توزيع النص على حركات تعبيرية فإننا نوزعه على حركتين تعبيريتين غير متوازيتين.

الحركة الأولى: للذي… المقاومة

الحركة الثانية: للإمام الصدر… النهج.

وتركنا لفظة {وبعد وبعد}: لإرتباطها بتماسك ما بعدها بما قبلها {الدخول الكلامي حول موضوع اللقاء التربوي}. وكأن هذا الكلام التكراري لفظة، { وبعد وبعد} شكل دورات تعبيرية تأكيدية.

إن كل ما نحن فيه الآن وكل أحاديثنا ومواقفنا هو بركة مستمرة من الإمام السيد موسى الصدر.

يتسق القسم الأول: بالإحالة الضميرية {ضمير المتكلم والغائب}

وهنا الغائب يحضر مباشرة من خلال مركزية {الذي} مسبوقة بحرف الجر {اللام}: ويلاحظ أن ثمة دورات تعبيرية أخرى بحيث يمكننا توزيع هذا القسم إلى أربع دورات تدور كلها حول {الذي} فنجد إذ ذاك:

1- “للذي أيقظ…توقف” ونلاحظ هنا حضور فعل ماضٍ واحد {أيقظ} وفعل مضارع واحد بدلالة الماضي {يقع}

كما نلاحظ حضور الفعل الناقص مسبوقاً بمصدر مؤول {بعد أن كانت، بعد أن كان} وهذا المصدر يدل على تراخ زمني واقع في إطار من الماضي وقد استحال إلى ثنائية تعارضيه تضمنها المقاطع الثلاث الباقية.

وفي هذا المقطع نلاحظ على المستوى حركية النص والبحث عن الدلالة إن حضور {اللاملاءمة إسنادية} ببعدها التضميني الإنزياحي قد تعاضض على مستوى العلاقة الإسنادية {أيقظ الأمل} نتساءل:

متى نام هذا الأمل؟ ولماذا استيقظ؟ ومن أيقظه ولم؟…

وهذه سلسلة من التأويلات الدينامية، تأخذك رأساً إلى البحث عن الواقع المأزوم سابقاً: وأي حال كنا عليها؟ وكيف ولماذا يكون هذا الإستيقاظ على مستوى القلوب! وهل غدا القلب مركزاً لكل حركة بنائية؟ فيغدو القلب عقلاً وفكراً بعد أن كان عاطفة وشعوراً؟

وهذا بالضبط ما نقع عليه مباشرة في البيت الثاني فالحياة أضيق من ” ثقب إبرة” وهذا يترادف مع نوم الأمل وليس موته.

فهذا الواقع لم يدفعنا إلى اليأس وإنما إستسلمنا له {الحياة وثقب الإبرة} في رمزية كنائية وإستعارية كان حضور إسم التفضيل {أضيق} رسماً ونقشاً وحفراً في ذاكرتنا.

وهذا ما يمكن أن نحمله تأويلاً في البيت الثالث {الحرمان والعدوان والوقوع على صدرنا دون توقف}.

ونلحظ براعة في توأمة القهر الإقتصادي والإجتماعي والسياسي {الحرمان} يترادف مباشر مع العدوان {وهذا يعني أن الحرمان والعدوان وجهان لعملة واحدة: سحق الذات وقهرها وسلبها ونلاحظ ها هنا حضور الفعل المضارع الماضي بدلالته ليجعل حركية الصورة ممتدة إلى حاضرنا كي لا ننسى ما كنا عليه.

إن الصور الإمتدادية والتركيبية غدت عنوان الجمالية الشعرية لهذا النص. فالمسكوت عنه أكثر من المنطوق. والقراءة تفتح آفاقاً تجعل هذا البناء الجملي بناء يمكن إستحضاره رمزاً. من غير أن يرتبط بواقع معين، وكل لفظة تدخل في سياق تصبح دلالة تستفاد في مجال تحققها الفعلي، وبما أن هذا القول قائم على لغة مبنية فهو بالتالي متعدد ولا بد من استحضار دلالاته الغائبة وهذا ما أراده الرئيس نبيه بري في الدورة الثانية من القسم الأول.

ونلاحظ أيضاً تمركز هذه الدورة التعبيرية كسابقتها حول إسم الموصول {الذي} مع حضور لفعل أيقظ المتكرر في الدورة الأولى مرة وثلاثاً في الدورة الثانية ونكتشف دورة متوازية إيقاعاً:

  1. العصافير في أحلامنا الذي أيقظ.
  2. أغاني في ينابيعنا.
  3. قطرات الضوء في الإيقاعية اللافتة والقائمة على توازن تركيبي

مفعول به + حرف جر + مضاف + مضاف إليه (يتكرر الحرف ذاته والضمير والمضاف (نا)

وهذا ما يشكل جذباً إيقاعياً توفر من هذه التنسيقات الصوتية وهذا ما وفر لها مزيداً من الإنسجام

وهذا بالضبط ما نقع عليه في قوله:

  1. نحو الشمس للذي علمنا أن نتطلع
  2. نحو الغد وللذي علمنا المقاومة

ونلاحظ هنا، أن الرئيس نبيه بري لم يقل نحو المقاومة لأن التطلع (نحو) قد لا يكون محققاً وأما المقاومة فهذا مباشر: “علم المقاومة وفعلها”..

إن قراءة متأنية للنص تشكل المنطلق الضروري لكل عملية قرائية، وان الكشف عن الدلالة النصية، لا تأتي الا من خلال بنى وعلامات، وتنشأ من سلسلة الوحدات الدلالية الممكن التقاطها في كل قسم أو وحدة، وبين الأقسام أو الوحدات الصغرى والكبرى، وعلى مختلف المستويات وهذا ما أردناه في مقالتنا هذه:

الكشف عن علاقات جمالية تتحقق في مستوى دراسة العلائقية مع علاقة تعارض وتضاد إضافة الى تراكيب تحمل تلميحات وتضمينات ومفارقات.

وإذا أردنا أن نتوقف عند ظاهرة التنسيقات الصوتية والهندسات الموسيقية والتوازيات والتوازنات والدلالات النامية والتكرارية والترجيع والتداخل والتكثيف اللفظي لاحتاج هذا الى مباحث ومباحث.

وأتوقف عند قراءة الغياب من وجهة نظر السنية بنيوية، فالألسنية تتميز بغياب العناصر عند حضور عنصرها. وبحضور ما ينقص عندها، وقد قامت البنيوية على رؤية “أن كثافة الوعي بالشيء تضعف بتواتر حضوره وتزداد بغيابه” فأصبح الغائب حكماً على الحاضر بعد ان كان الحكم الوحيد هو معيار الحاضر على الغائب وهذا ما أدى الى تركيز التحليل الألسني البنيوي:

“على العلاقات الترابطية والعلاقات الإستبدالية الأولى ذات طبيعة أفقية حضورية، والثانية ذات طبيعة عمودية غيابية، والغياب هو الذي يوحد بين الأجزاء والمعاني غير المتجسدة في النص والخاضعة لقانون التداعي مما يسمح للعلاقة الإستبدالية بتوليد المعاني من الفجوات والثغرات، وهذا ما يطلق عليه: “الواحد التعدد/ د. نبيل أيوب” ص 67 (الطرائق الى نص القارئ المختلف/ الأهلية/ طبعة أولى).

وبالعودة فإن الغائب (الذي) والحاضر دائماً (السيد موسى الصدر) هو في علاقات تبادلية عمودية أفقية من خلال هذا المشهد المتحرك لسلسلة الإنجازات وهذا ما يحتاج الى الرجوع الى لحظات ليست حاضرة، ويوجد معنى حاسم يكون فيه: غير الحاضر ساكناً في الحاضر ويشكل الى غياب جزءاً منه.

وبالعودة الى النص: فالإمام السيد موسى الصدر لم يغب حتى يحضر وحضوره لم يتحول الى غياب، فها هو يوقظ الأمل، فهو صاح والآخر نائم، وها هو يوسع أفق الحياة وهي ضاقت علينا، وبتنا في الرجاجة، وها هو يرفع ما وقع على صدرنا: من حرمان وعدوان، ها هو يتوئم بين المقاومة الرافضة للعدوان، وبين الإصلاح الداخلي لتستقيم الأمور.

هو السيد موسى الصدر لمن لا يعرفه: مؤسس حركة أمل، المقاومة والإصلاح، والإمام الصدر بركة حاضرة في مجال التربية والتعليم موضوع الكلمة، النص، ومن هنا، فإن أمل، الإمام الصدر مقيمة على الخط والنهج والتربية هي أولى إهتمامات هذا الخط والنهج الصدري.

هذه محاولة تسعى الى بلورة الظاهرة الجمالية في خطاب الرئيس نبيه بري، وهو خطاب مفتوح، يفاجئنا بجماليته التعبيرية والصورية وهو بناء مفتوح فالقصيدة، النص بدأت ولما تنته أنها حركة، فضاء انها شهر شعر شعر..

هذه التدوينة نشرت في الرئيس في الإعلام. الإشارة المرجعية.