العربية   

بري يحاكي الحراك الشعبي

20388253843_6e210cdbd3_o

محمد بلوط | الديار// // //

ذهب الرئىس نبيه بري في يوم الامام الصدر الى ابعد من اطلاق مبادرته الحوارية الجديدة واضعا الاصبع على جرح الازمة التي يتخبط بها لبنان بكل عناصرها وتداعياتها.
اراد بري ان يخاطب الجميع من موقع القابض على جمر ما وصلت اليه البلاد من تدهور على غير صعيد… فكان كالعادة منحازا للجميع وليس الى القسمة لأن حجم الازمة يحتاج الى جهود كل الاطراف والتيارات بعيدا عن المزايدة والتجاذب والمصالح الفئوية الضيّقة.
في المبادرة للدعوة الى الحوار مجددا على مستوى قادة الكتل النيابية حدد بري كما في حوار 2006 بنود جدول الاعمال اخذا بعين الاعتبار مطالب وتوجهات كل الاطراف والحاجة لحسم العناصر التي تتحكم بالازمة الراهنة مع التأكيد مرة جديدة على عمق المشكلة المتمثلة بالطائفية التي هي اساس كل العلل.
ورغم الاتصالات التي اجراها مباشرة او من خلال معاونه السياسي الوزير علي حسن خليل قبل مهرجان النبطية والاجواء الايجابية التي لمسها لجهة ترحيب واستعداد الجميع للانخراط في هذا الحوار الجديد فإن هذا مسار هذا الحوار لن يكون مفروشا بالورود.
ففي شأن مصير رئاسة الجمهورية يدرك رئيس المجلس حجم التباين والخلاف حول كيفية مقاربة هذا الاستحقاق ويدرك ايضا ان العامل الخارجي بات اكثر تأثيرا على القضية لكنه يعوّل ايضا الى امكانية الوصول الى مقاربة داخلية اكثر ايجابية لهذه المسألة ما يساعد على توفير المناخ الافضل لتقريب موعد انتخاب الرئيس.
ووفقا لمصادر مقربة فإن بري يريد نقل هذا الاستحقاق من دائرة السجال والتجاذب على مساحة الفضاء اللبناني الى طاولة الحوار سعيا الى نقاش موضوعي يساهم في فك رموز هذه الازمة او على الاقل يعيد الاستحقاق المذكور الى الدائرة اللبنانية بنسبة اكبر. ومما لا شك فيه ان هذا البند المدرج على جدول الحوار يعتبر من اصعب البنود واعقدها الى جانب قانون الانتخابات النيابية لكن الوضع الذي وصلت اليه البلاد تحتاج الى مثل هذه المحاولة الحوارية.
اما في شأن عمل الحكومة فيبدو ان مهمة الحوار اقلّ صعوبة ذلك ان الجميع متفق على صيغة القرارات التوافقية كما عبر الرئيس سلام اكثر من مرة.
وبرأي المصادر ان ترجمة هذا التوجه يحتاج الى صيغة محددة يمكن ان يتفق عليها المتحاورون ان لجهة طريقة توليف المراسيم واقرارها او لجهة تسويب الاولويات والمشاريع التوافقية.
وتقول المصادر ان هناك حاجة ملحّة لحسم هذا الموضوع لسببين: الاول ضرورة تفعيل عمل الحكومة لمواجهة ومعالجة كل الملفات الحيوية والحساسة والثاني لغياب البديل عنها في مرحلة الشغور الرئاسي.
ومما لا شك فيه ان اجواء ونتائج اجتماعات اللجان النيابية ومناقشتها لقانون استعادة الجنسية اظهرت ان هناك ثغرا وتباينات في التعاطي مع هذا القانون.
فاذا كان هناك توافق على المبدأ فان هناك نقاطا يجب ان يرتقي فيها النقاش الى مستوي الحوار بين الكتل النيابية لحسمها ووضع الامور في نصابها، وهذا امر ميسر اذا صدقت النوايا وتلاقى الجميع على كيفية ترجمة هذا المبدأ.
ومما لا شك فيه ان ادراج موضوع اللامركزية الادارية على جدول اعمال الحوار يعتبر حاجة ملحة اليوم، خصوصا بعد ان برزت مشاكل عديدة تؤكد وجوب السير في هذا المسار والبدء في ترجمته انطلاقا من نص وروحية ما ورد في اتفاق الطائف…
ويمكن القول ان التخبط في معالجة ازمة النفايات هو مظهر من مظاهر غياب اللامركزية الادارية، مع العلم ان مثل هذه الازمة وغيرها قابلة للمعالجة والحل بالاعتماد على البلديات والسلطات المحلية، عدا عن ان اللامركزية الادارية تشكل عنصرا مهما من عناصر الاصلاح الاداري في البلاد، وتساهم في كبح جماح الفساد.
ومما لا شك فيه ان ادراج الرئيس بري دعم الجيش اللبناني في جدول الحوار ينطلق من تأكيده مرارا على اهمية الاستثمار على الاستقرار والامن، ولذلك فان هناك حاجة لترجمة الاجماع على دعم الجيش والقوى الامنية من خلال تحمل الجميع مسؤولياتهم في الدفع باتجاه الاسراع في تسليح وتعزيز المؤسسة العسكرية اكان على مستوى ترجمة الاتفاقات المتعلقة بالمساعدات والهبة السعودية او على مستوى تعزيز الغطاء السياسي لرفع جهوزية الجيش في مواجهة الارهاب.
ويبقى قانون الانتخابات النيابية البند الاكثر صعوبة وتعقيدا، خصوصا ان نتائج الاجتماعات على مستوى اللجان النيابية او الاطراف المكونة للمجلس النيابي لم تكن مشجعة، ففي كل مرة كان يتقدم النقاش الى مقاربة هذا الموضوع بصورة ايجابية كانت تظهر عوامل الضغوط والمصالح الفئوية لتعيد الامور الى نقطة الصفر.
لكن الرئيس بري في دعوته للحوار والنقاش الهادئ لهذا الموضوع ينطلق من معطيات عديدة لعل ابرزها: السعي مرة اخرى لترجمة ما تعهد به المجلس في جلسة التمديد لجهة اقرار قانون انتخابي جديد يأخذ بعين الاعتبار العدالة وحسن التمثيل على كل المستويات وثانيا بروز الحاجة لحسم هذا الملف الذي يعتبر نقطة الارتكاز في الاصلاح السياسي.
وفي خطابه امام هذا الحشد الرسمي والحزبي والحشد الضخم من الحركيين والمناصرين تناول الرئيس بري مروحة من القضايا والازمات في المنطقة ولبنان، وتكلم بشفافية متناهية وبالتفصيل عن مجريات قضية الامام الصدر، واضعاً حد لمحاولات تشويه هذا المسار من اولئك «اللاهثين وراء الصفقات ولمطلقي الاشاعات والاكاذيب»، ومحذراً من «المساس بثوابت هذه القضية».
وكما عبّر اكثر من مرة شدد رئيس المجلس على حقيقة وتاريخية واهمية الاتفاق النووي الايراني وتأثيره على المنطقة، داعيا الى محاكاة السجادة الايرانية بسجادة عربية مثلثة من السعودية ومصر وسوريا. وحدد الهدف بوقف الاستثمار على الحروب الصغيرة، وتحوله الى تجفيف مصادر التمويل والسلاح والمسلحين العابر للحدود السيادية للدول واستثمار ثروات المنطقة لتعميم التفاهمات والتنمية بدل الحروب.
وكان للرئيس بري موقف واضح وصريح من الازمة السورية ومحاولات فك رموزها وحلّها، فاكد على «ان المطلوب هو تظهير الارهاب في سوريا التي تدفع ثمن كل ارهاب بالعالم، وجعل هزيمة الارهاب، هي الاولوية الاولى، وعندئذ المسارعة لانجاز وبناء وصنع حل سياسي».
وبرز ايضا توصيفه مقارنة النظام السوري بالارهاب بانه «مقارنة سخيفة وتآمرية وتقسيمية»، مشيراً الى «ان سوريا الاسد تدفع الاثمان عبر مؤامرة مستمرة لانها تشكل واسطة العقد لمحور المقاومة».
والابرز في خطابه على الصعيد الداخلي ايضا هو ان الرئيس بري حاكى الحراك الشعبي والمدني الذي تشهده البلاد بنية صادقة ومن موقع المتضامن والمؤيد للحق في التظاهر والاعتصام والحراك.
اراد الرئيس بري ان يخاطب هذا الجمهور من موقع واحد وليس كما يفكر او يشتهي البعض، فوضع الاصبع على جرح علّة النظام التي هي الطائفية والحرمان، لا بل عبر بصراحة متناهية عن وجوب العمل على بناء الدولة المدنية التي كانت ابرز شعارات المتظاهرين، وشدد على قانون الانتخابات على اساس النسبية، الذي كان القاسم المتشرك ايضا لمطلب الحراك الشعبي والمدني.
هكذا شكل خطاب الرئيس بري في يوم الحشد الصدري برنامجا متكاملاً للانقاذ، داعياً الى تضافر جهود الجميع للانخراط في الحلول عبر الحوار المفتوح والبعيد عن الانانيات والمصالح الفئوية الضيّقة.
ولم يكن هذا الخطاب صرخة استغاثة، بل كان رسالة واضحة تحاكي الجميع، اكان على مستوى التيارات والقوى السياسية او على مستوى المجتمع المدني والرأي العام اللبناني.

هذه التدوينة نشرت في ticker_ar, TOP ARTICLES, الرئيس في الإعلام. الإشارة المرجعية.