رعى حفل تكريم الشاعر نجيب جمال الدين في الأونيسكو

بسمه تعالى.. في البدء كان الله ثم كان الماء والخضراء والوجه الحسن فكان الشعر لهذا الكائن الساحر الذي يتبعه الغاوون، ويسكن كعفاريت الدهشة في الشعر، وهو يمتلك إحساساً سامياً بالحياة والوقت.

لهذا الشاعر الذي وطنه الحس، وإنسانيته اتساع مداه والذي استمر يكتب حتى شاب الظلام والذي مات وعينه في الآتي.

للشاعر المحكوم إلى إحساس السجين، وهو يرتجف كما يرتجف البلور عندما تشكه رياح الضوء ولكن ليس من خوف بل من الفرادة، له حيث أرادنا أن نتركه في حديقة الليل مع القرنفلة الحمراء المعربشة على عسل وسوسن.

للشاعر الوحيد هو والسر، المتروك في ليل الثلج والليل والثلج سيافان هذا له رصد الدروب وذاك سد أبواب، تتناهش عيناه أظافر المجهول… يقاوم.. يمانع يركض وحيداً في الفراغ ولكن رجليه على الأرض.

لنجيب جمال الدين الشاعر في وحده يسطعه قمر قده من شجرة الشمس وله قد عقد النية أن يقطف لحبيبته أقماراً أكثر حتى يملأ حقيبتها بالشعر.

للشاعر الذي خط قصيدته سطوراً من الأنوار والألوان وأشرعة القوارب وهديل الحمام وحذر الدواري.

للشاعر وقد جزم أننا في الفراغ الذي إنتزعت منه فلسطين، كلنا لاجئون، لاجئون أمس لاجئون اليوم ولاجئون غداً لاجئون عشر سنوات، عشرين خمسين أو أكثر ولكن المهم أن لا ننسى أننا لاجئون وأننا نستحق العودة من وحدتنا.

هو الشاعر وحده وكذلك فلسطين التي نجت بجلد إسمها من السقوط في قاموس إسرائيل. وهو وحده سافر في الحقيقة من الشام وإليها، حيث الياسمين عطره أجمل مما تلمسه عيوننا لأنه عفوي ومجاني وإنساني وعنده ضمير وأن الشعر يسافر وراء العطر دائماً.

للشاعر وقد سبق الجميع إلى الإنتباه أن السلاح الرسمي لا يقاتل العدو، قد سبقنا إلى الإدراك بأن الآليات

والطائرات التي تشارك في العروض العسكرية تستطلع شوارع المدن العربية تمهيداً لقصفها.

للشاعر وقد انتبه في وحدته إلى أن الذكريات في المدينة تنام على الأرصفة وفي الريف تنام القرى في حديث الذكريات وإلى أن الصادق في الأرياف تفتح له الأبواب، والحر يدخلها، أما في المدينة فإن اللص يفتح الأبواب ويدخلها.

للشاعر نجيب جمال الدين الذي يسكن الآن في الصباح الأبيض في بيوت القرى الملونة بريشة رفيق شرف.

له وهو في منتصف الطريق إلى رحيله، وقد انتبه إلى أن أهل الشمال وعكار والضنية المحرومين من أرضهم قد غادروها في مواسم هجرة الطيور، لأن سلطة السلطنة كانت تجندهم وسلطة الإنتداب وسلطة الإستقلال تضيق عليهم كل يوم، أما أرض الجنوب فقد هجرها أهلها، حرموا منها لأن السلطة لم تكن تزورهم أبداً.

وهو الشاعر وقد تعلم في وحدته من الإمام الصدر الجغرافيا، وكتب قصيدة تبدأ من حدود الوطن إسمها: المقاومة ولا تنتهي عند حدود المجتمع وإسمها: أمل.

ولأنه كذلك فإن نجيب جمال الدين إستحق أن يكون شاعراً للقضايا والمسؤولية والرؤى الشفافة كالبلور شاعر كربلاء شاعر الذين شهروا على فولاذ القمع رموش عيونهم شاعر الحب والحرب والألم والأمل والمحاريث والألوان والورود ودائماً شاعر فلسطين ووجع الناس ولبنان والشام بل شاعر بر الشام شاعر الراحل المقيم الرئيس حافظ الأسد شاعر الإمام القائد السيد موسى الصدر شاعر تشرين شاعر المقاومة.

الشاعر الذي يعرف إمرأة عيناها أجمل من البحيرة التي تتكئ عليها مدينة جنيف  والذي كتب المرأة على رخامة قلبه ومات.

الشاعر الذي رأى بأم عينيه أن الأمل يكون آخر المغادرين واليأس هو دائماً أول الراحلين.

الحضور الكريم أسر لي الإمام الصدر بحكايات عن صديقه الشاعر والذي هو صديقي نجيب جمال الدين وأنا لا أكشف سراً إذا أعلمتكم أنتم المحبين أن الشاعر أشعل مراكبه على الثلوج وانصرف إلى الكتابة على أعمدة الشمس قصائد مجنونة إلى عاصمة المدن الشرقية، وكان بأصابع الشعر كلما فرغ من نحت قصيدة يعلق حجاباً على زند المعلقات السبع حرزاً من الذئب.

قال السيد: دمعتان على مصرع نسر أطلقتا نهراً سار بغير هدى وهو يحمل على أشرعته رسائل الوفا إلى إخوان الصفا.

وقال السيد في غمرة الليل التمعت الومضات وعلى ضوئها انكشف نجيب جمال الدين وهو يمتطي رياح الإلهام ويقوم بالكتابة بالمثلثات والحرف الكوني وثنائية النهر والمرايا، ثم يرتاح على كفه ويغمض عينيه على عنوان: ملحمة الإنسان الكبرى.

وهمس لي السيد أنه إذ سمع صوت الشاعر أدرك أنه يزاحم الترانيم في محطة الوجع ومساءات الشهد، وأنه يتقابل مع القصيدة بعيداً عن الأعين في موقع الظل، وأنه هو طائر المحطات، له في كل عرس قرص، وله في كل موقع جولة وصولة لقصيدة.

أما الشاعر فقد همس لي قائلاً: الغرب ثكنة سلاح الشرق منجم آلهة وأنبياء الغرب فم، والشرق ثدي الغرب هيرودوس وبلاطيوس ودايان وبن غوريون الشرق؟ متى، متى صلاح الدين؟

كتب الشاعر عن رحلته إلى أوروبا مشاهد أبرزها الإمام الصدر ضيف السوربون سأله الشاعر متى اختار العربية لغة للمحاضرة؟

وأجاب السيد: هذا الفجر بعد صلاة الصبح… فقد رأيت القوم معتدين بلغاتهم ومعتزين فأحببت أن أعتز أنا أيضاً بلغتنا.

أضاف السيد مخاطباً الشاعر: ألا يجذبك يا صاحبي وأنت الشاعر الفنان أن ترى إلى جدران هذا القصر التاريخي على الراين في ستراسبورغ وإلى قناطره وحناياه، وهذه العمد، وهذه القباب، وهي تصغي لأول مرة لأصداء لغة بلادك؟.

 يقول الشاعر: كان الرذاذ ساعتها يلف ستراسبورغ في ألفي قوس قزح، وهممت أعانقه من جديد…. وبنفسي أن أركض تحت المطر، وفي قطار من المطر، وحيداً وحيداً في البعيد.

الحضور الكريم لقد كان الشاعر هو الأسرع إلى الإنتباه بأن الإمام الصدر وقع في كمين النظام الليبي فأيقذنا على وقع الكلام المر حين قال: خطفوك…. من حمل البحار وأين قد وجدوا الوعاء؟

بسوك من يقوى على حبس الشموس عن الضياء كيف احتووا شم الجبال وأين ضموا الكبرياء؟

ودعوك؟ كيف نسيت قبلك من دعوا في كربلاء؟

أخفوك؟ لو فتحوا دفاترنا القديمة بإعتناء لرأوا بأن أسمى صفات الله، أروعها الخفاء.

وقال: سيعود للأيتام للثوار سيعود يا أرض الجنوب فلا تخافي الأوصياء سيعود يا أمل الوفية يا منظمة الرجاء سيعود يعطيه الحياة وأنت تعطين الجواب.

ثم ها نحن على مشارف الحقيقة التي يمشي إليها أشقاؤنا في ليبيا رغم كرة نار نظام القذافي الطاغية الذي حكمهم أربعة أجيال. ها نحن ننتظر ونرفع سؤالنا عن مصير الإمام الصدر ورفيقيه إلى مقام هذا الشعب العظيم شعب عمر المختار لكشف مصير الإمام ورفيقيه الأخ الشيخ محمد يعقوب وعباس بدر الدين.

الحضور الكريم قبل ان أخطف أبصاركم إلى السياسة ولأننا نجتمع في هذا العرس الثقافي، فإنني أذكر أن مجلس النواب أقر في تشرين الأول عام 2008 مطالب الشارع الثقافي التشريعية المتعلقة بتنظيم المهن الفنية وبتنظيم وزارة الثقافة والمؤسسات العامة المرتبطة بها وقانون الممتلكات الثقافية.

إنني أتساءل مثلكم لماذا تجاهلت الحكومتان السابقتان إصدار المراسيم التطبيقية لهذه القوانين رغم المراجعات المتكررة؟

إننا نعرف الجواب، الذي أقله الإستمرار في محاولة إقصاء الثقافة ودورها ومشاركتها في كل ما ينتج حياة الدولة والمجتمع، وهذا ما يستدعي مبادرة الحكومة القادمة إلى التجرؤ حيث لم تتجرا سابقاتها على تنفيذ القوانين.

وأيضاً وأيضاً فإننا لا بد أن ندخل بيت الموقف من باب البقاع.

لقد تناسى البعض أن هذا السهل الممتنع كان على مر العصور يزرع القمح والحنين، وأن الزراعة الحرام هربت إلى البقاع بإيحاءات رسمية وانتشرت برعاية رسمية وحماية رسمية وكذلك طرق الإتجار بها تماماً وأنا مسؤول عن كلامي، مثلما تم الإيحاء الآن بالإعتداء على الأملاك العامة والخاصة ومخالفات البناء في بيروت على الروشة وفي الأوزاعي وفي الضاحية وفي أكثر من مكان بحماية أمنية ورسمية وكذلك طرق الإتجار بها.

لذلك فإن من يجب محاكمته هو العهود التي سيبت الأمن وحولت البقاع إلى مساحة بشرية من المطلوبين، ولم توفر الزراعات البديلة، ولا زالت إلى اليوم لم تنجز عمليات الفرز والضم، وحرمت البقاع من خدمات الدولة حيث أن أهلنا في البقاع لا زالو ينتظرون إنجاز الطرقات الرئيسية والسدود وشبكة الأمان الصحية وكل ما يوحي ببعض الإنماء المتوازن.

في هذا الإطار فإننا نطالب الحكومة القادمة بالإضافة إلى ما تقدم بترتيب أولوياتها إنطلاقاً من إغلاق ملف المطلوبين، وإعادة النظر في آلاف الموقوفين اللبنانيين والعرب والأجانب المكدسين في السجون بظروف سيئة لا تراعي أبسط حقوق الإنسان حتى أصبحنا كل يوم نسمع عن إنتفاضة في سجن ما.

ومن على منبر عاشق سورية الشاعر نجيب جمال الدين نقول إن على جميع اللبنانيين أن يكونوا أكثر حرصاً على أمن سوريا واستقرارها من السوريين أنفسهم، ونوجه عناية الجميع على أن استقرار النظام في سورية يشكل ضرورة شرق أوسطية أنا لا أتكلم مجاملة وزلفة ولا تقرباً، أقول هذا كلام سياسي وواقعي أرى فيه مصلحة لبنان كما مصلحة سورية ومصلحة لبنانية، وأن محاولة ضخ الفوضى والفتنة إلى سورية أمر سيؤدي إلى حريق شرق أوسطي لا يمكن إطفاؤه ولا يمكن النجاة من إستتباعاته.

ونقول أن أي خطأ عابر لحدود الأمن القومي لسورية هو لعب بالنار وبمصير لبنان في المجال الحيوي الجغرافي والسياسي الذي تمثله سورية لنا في لبنان، وفي هذا الأمر فإننا نؤكد على ضرورة أن تجري التحقيقات بشأن إمكانية تورط لبنانيين بأحداث سورية في إطار قانوني وليس سياسي، وأن يتم التعاون مع القضاء اللبناني في إطار الإتفاقيات المعقودة بين لبنان وسورية.

من جهتنا فإننا متأكدون أن القيادة السورية حرية على لبنان بقدر حرصها عل لبنان بقدر حرصها على سورية وهي تعمل على إبعاد شبح الفتنة من هنا وهناك. ومن يعتقد أن التأخير في تأليف الحكومة مثلاً هو لأسباب سورية فليعلم أن أكثر المتضررين من عدم وجود حكومة الآن في لبنان هو سورية الشقيقة التأخير بحد ذاته هو جزء من المؤامرة على سورية ولو كان غير مقصود.

أيها السادة على المستوى اللبناني نعود للتأكيد على الخروج من الإصطفافات المتمثلة بالثامن أو الرابع عشر من آذار لا بد {بدنا نخلص من آذار} نحو تشكيل جبهة وطنية عريضة، تلتزم الإنتقال بلبنان من واقع السلطات القائمة إلى واقع الدولة وضرورة الدولة وأدوار الدولة، إرتكازاً إلى إتفاق الطائف بشقيه الدستوري والإصلاحي، وتلتزم أولاً بدعم تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وتتبنى قانون إنتخابات عصري على أساس النسبية والدوائر الكبرى وتأخذ على عاتقها دعم إنجاز قانون للأحزاب وإنجاز قانون اللامركزية الإدارية، كما تتبنى مشروعاً إقتصادياً يضع خارطة طريق لمعالجة الأزمة الإقتصادية -الإجتماعية وسداد الديون.

وعلى المستوى الوطني أيضاً فإننا ندعو للخروج من عقدة شبهة السلاح إلى الإعتراف بإنجازات المقاومة التي تلتزم الدفاع عن حدود الوطن إلى جانب الجيش وردع أي عدوان، إلى الإعتراف بالشهداء والدماء إلى الإعتراف أن هذا الجنوب بقي سائباً ولم يدخله احد يدافع عنه حتى قامت هذه المقاومة.

في الختام وإذ أتوجه بالتحية إلى الحركة الثقافية في لبنان وجمعية التنمية والإنماء في البقاع لعقد هذا اللقاء التكريمي للشاعر نجيب جمال الدين، فإني أعود إليه وأنا لم أغادره أساساً إلا إلى مواقفه متذكراً وحدته الناضجة بالناس وضجيجه المليء بالصمت الذي هو من ذهب الكلام.

الآن سأدعك يا صديقي لتواصل علاقتنا بالضوء، وترتيب مكان يتسع لنا في منطقة البوح حيث الفكرة وطن والوطن، رسالة والرسالة: لبنان.

عشت يا صديقي الشاعر، عاش الشعر عاش لبنان.

هذه التدوينة نشرت في خطابات. الإشارة المرجعية.