كلمة الرئيس بري خلال زيارته المجلس الوطني السوداني

يا  السودان

 

       لست انت مائدة الفحم  بعد حريق شديد .

       ولست سواد العين رغم فتنتها .

       ولست فصل الليل الذي يمتد العمر ولا ينتهي

       ولست انت الاريج الاسود للبكاء المر.

       ولست سواد الغموض ولا مسكن الانتظار ، ولا انت ظل بلاد منكسرة خلف غيمة شاردة .

       بل انت انت ، مملكة الحياة الكثيرة المتوجة على كوش ومروى وسُوبه المزدهرة بالبشر  والشجر .

       وانت الاميرة المتوهجة التي لا تشيخ ، المتوجة على الاقطار منذ عشرة الاف عام .

       وانت كتاب الورد في احلام النسوة ، وسيرة العشق بين المُحلّق وتاجوج ام الثنايا  الجميلة .

       وانت الحلم المغامر في اشرعة البحارة ، الذين يفتحون باب الصباح على تشييد النهر  المسامر ، وانت فرح الفلاحين والصيادين الذين يغسلون تعبهم على ايقاع الكمبالا  والنقارة والطمبور .

       وانت السودان

       بسملة الوجد وغزالات الشعر ، وموطن الشمس الصبية .

       وانت السودان

       مملكة الدراويش المحاربين الزاهدين المتواضعين الذين يحملون ارواحهم على صهوات  جيادهم الخضر في ساعة الشدة .

       وانت السودان

       كنز التعايش العربي الافريقي

       اذن للسودان المرفوعة نارا” على علم ، على قمم جبال ( الاولياء) و( كراري ) و(  النوبة ) و ( دارفور ) و( البركل ) و ( مَرَهْ ) لشباك بحارتها المملوءة باسماك  مذهبة بالفرح ، وبأصداف مستديرة كالعيون في ( بحر الغزال ) و ( البحر الاحمر ) و(  بحر العرب ) .

       للذين حرسوا الطريق بين سواكن النيل ، وللذكرى المجيدة لابطال السودان الذين هزموا  يوم الخامس من نوفمبر عام 1883 المحتل وقتلوا قائد جنوده .

       لكل اسماء وعناوين بلادكم في الشمال والجنوب ولعاصمتكم المثلثة الاضلاع التي يقترن  عندها النيلان الابيض والازرق .

       للنيل الابيض الذي يسكب العاج على حريق لذعة الشمس ، والذي يذوب في مائه نثار فضة  القمر ، وللنيل الازرق الذي يفتح شهوة العبير في مشاتل الرياحين .

       لكل السودان لكل اسمائها وعناوينها واهلها الف تحية وبعد :

       دولة الاخ احمد الطاهر المحترم

       رئيس المجلس الوطني

       رئيس الاتحاد البرلماني العربي

       زملائي النواب

       السيدات والسادة

       بداية اسمحوا لي ان اتوجه بالشكر الجزيل على هذه الدعوة الكريمة لدولة الاخ احمد  الطاهر لي وللوفد المرافق لزيارة السودان الشقيق ، في هذه اللحظة السياسية التي  تقترب فيها فرصة خلاصكم انشاء الله من فتنة الجهات ، التي بددت الكثير من امكانيات  وطاقات وموارد بلدكم العزيز .

       لقد قلت على منبر الدورة الرابعة والاربعين الطارئة لمجلس الاتحاد البرلماني العربي  التي انعقدت في دمشق قبل شهر من الان ، ان احدى العلامات الايجابية الفارقة في صورة  المشهد العربي القلق والمضطرب بارقة الامل التي تطلع من السودان ،وتبشر حسب ما  نتمنى

بأن  تتمكنوا من توقيع اتفاق السلام ، الذي سيؤسس دون شك لاستقرار بلدكم وازدهاره ، لأن  وحدة الارض والشعب والمؤسسات في أي بلد هي الاساس المتين للنهوض الوطني العام ،  وبغياب هذه الوحدة التي يجب ان تقدم كل التنازلات الضرورية لتحقيقها فإن أي مجتمع  ودولة سيستنفذ حتما” قدراته ، وسيصبح محكوما” بمعايشة اقتصاد الموت المجاني او هجرة  ابنائه .

       لقد وقع لبنان كما السودان فريسة كابوس مماثل ، وتقابل ابناء بلدنا من كل الجهات  والفئات والطوائف على محاور حروب استتباع طيلة سبعة عشر عاما” ، كانت فرصة لاسرائيل  لتجتاح بلدنا برا” وبحرا” وجوا” مرتين في عامي 1978 و 1982  ،ولتحول بلدنا الى حقل  رماية لسلاحهـا الجوي والبحري والبري في اعوام 1993 و 1996 و 1999 .

       ان لبنان كاد يتقسم ويتشرذم ويتحول الى اسرائيليات ، لولا ان سوريا كانت الشقيق وقت  الضيق ، فمدت لنا يدها البيضاء في ليلنا الاسود ، ولولا شجاعة بعض القادة  اللبنانيين الذين تمكنوا بفضل الاجماع العربي من صياغة اتفاق يمكننا من صنع وبناء  السلم الاهلي على قاعدة مشاركة جميع اللبنانيين في كل ما يصنع حياة المجتمع والدولة  .

       انني وانا اتذكر المشاركة المشكورة لابناء قواتكم المسلحة في قوات الردع العربية  وانحيازكم وتضحياتكم في سبيل سلام لبنان ، فإنني ومن على منصة المجلس الوطني  السوداني ، ومن خلال ممثلي الشعب السوداني ، احمل لبلدكم الشقيق تجربة التعايش  الوطني في لبنان ، هذه التجربة الفريدة ، وهذه الصيغة الفريدة لاندماج ثماني عشرة  طائفة ومذهبا” وعشرات الاحزاب والاتجاهات ومئات النقابات والهيئات والمنظمات  الشعبية ومؤسسات الرأي المكتوبة والمسموعة والمرئية .

       ان بلدكم العزيز الذي كان مفتوحا” امام الهجرات منذ خمسة الاف سنة ، والذي يضم  معتقدات واعراقا” وقبائل مختلفة ، يستحق ان تغامروا لاجله بتجربة التعايش ، ونحن  متأكدون ان مواقع المسؤولية الرسمية والجهوية والحزبية والمخلتفة في بلدكم ، وعلى  رأسها فخامة الرئيس عمر حسن البشير رئيس جمهورية السودان ، سوف يبذلون جهدهم لتحقيق  السلام الموعود ليس لأن هذا الامر يمثل مصلحة سودانية عليا ، بل لأنه كذلك يمثل في  هذه اللحظة السياسية مصلحة عربية عليا ، حيث ان امتكم احوج ما تكون الى صدمة  ايجابية تعيد لنا الامل بإمكانية النهوض ، وتثبت ان اصلاح امرنا وان تغيير واقعنا  ليس مهمة امبريالية بل انها مهمة شعوبنا وقوانا الحية وقياداتنا ، وكذلك لأن هذا  اامر يمثل مصلحة افريقية عليا خصوصا” وان السودان يمثل جسر العلاقات الانسانية  والجغرافية والتاريخية والحضارية بين افريقيا والعرب، وبين قضايا النضال المشترك  للشعوب الافريقية والعربية بمواجهة حروب السيطرة المستمرة على مواردنا الطبيعية  والبشرية .

       ايها الاعزاء

       بالاضافة الى اوجه الشبه بين بلدينا في واقع التشكل السكاني الطائفي والسياسي  والاجتماعي ، فإن النزف الذي عانى منه لبنان خلال الحرب الفتنة التي اصابته ، اضافة  الى نزف خاصرته الجنوبية ، يشبه ما عاناه السودان من نزف خاصرته الجنوبية ، وهو  الامر الذي انتج في ظل المتغيرات الدولية وسياسة عولمة الفقر ، ومحاولة اخضاع اسواق  الانتاج والعمل في اقطارنا للشركات العابرة للقوميات والقارات ، وللجيوش  والدبلوماسية العابرة للقارات ، ومنطق اطراف ( اجماع واشنطن ) وفي الطليعة منظمة  التجارة العالمية – طبعا” بالاضافة الى سوء الادارة الحكومية للازمات في اقطارنا –  كل ذلك انتج على مساحة اقطارنا واقع ازمة اقتصادية – اجتماعية ضاغطة ، في ظل عدم  ابتكار افكار لتوليد فرص العمل ، الامر الذي ادى الى استمرار استنزاف مواردنا  البشرية عبر هجرة الادمغة والشباب .

       لذلك وفي هذا المجال ، فإنني اذ انوه بالمبادرة السودانية الى تحرير الاقتصاد فإني  ادعوكم كما ادعو لبنان الى اصدار تشريعات فعالة مضادة للاحتكار وحماية المنافسة  والمستهلكين ، والى عدم الاستعجال في اقصاء دور الدولة الاقتصادي نهائيا” عبر  عمليات تصفية بالجملة للمؤسسات العامة ، والانتباه الى ان الخصخصة ليست فقط مجرد  عملية تكنوقراطية بل هي ايضا” عملية سياسية .

       انني من منطلق حرصي على السودان وعلى دوره في نظامه العربي والافريقي ، ارى ان من  جملة الامور التي ستساعد حتما” على ادارة الازمة الاقتصادية الاجتماعية وعلى فتح  الابواب للخروج من هذه الازمة ، الخطوات الهامة التي تحققت على طريق تصحيح العلاقة  مع دول الجوار الافريقي وبإتجاه العالم العربي ، وكذلك تقدم الحوار مع الاتحاد  الاوروبي .

       انني في هذا الاطار اوجه عناية المجلس الوطني والحكومة السودانية الى ضرورة  الانفتاح على بناء العلاقة الضرورية بين التربية والتكنولوجيا والادارة العامة ،  والاستثمار على توجيه الاجيال نحو عالم الاتصال والمعلومات الذي يؤسس لفرص عمل  مفتوحة امام الشباب .

       وعلى طريق الاسهام المشترك في تعزيز اقتصاديات بلدينا فقد اتسمت هذه الزيارة التي  ستتوج بلقاء فخامة رئيس الجمهورية عمر حسن البشير المجال بمباحثات برلمانية ،  تمكننا من تنسيق مواقفنا في المحافل البرلمانية بما يخدم مصلحة البلدين والامة ،  وتمكننا من تبادل الخبرات في اطار تحديث الادارة البرلمانية وآلية صنع القوانين ،  وقد وقعنا اخي احمد الطاهر وانا تفاهما” للتعاون بين المؤسستين التشريعيتين في  بلدينا ، وقد تم توقيع اتفاقية مماثلة مع مجلسي الشعب والنواب في سوريا واليمن .

       كما افسحت هـذه الزيارة المجال للقاء عدد كبير من السادة الوزراء ، وبحث اوجه  التقصير في التعاون بين البلدين في مختلف المجالات ، وانا اجزم ان هذه الزيارة  ستفتح الباب امام الكثير من المبادرات المشتركة في جميع المجالات ، وسوف لا يبقى  امر تعزيز العلاقات بين لبنان والسودان متـوقفا” على الانشغالات الضاغطة لوزيري  المالية في البلدين .

       انني في هذا الاطار ولتعذرني الحكومتان في بلدينا على اطلاق مبادرات القطاع الخاص ،  خصوصا” وان هناك الكثيرين من رجال الاعمال قد بادروا اساسا” الى وصل ما انقطع من  جسور بسبب الظروف التي ضغطت على البلدين والاعـاقة التي كانت تتسبب بها انظمة  الاستثمار .

       ان هذه الزيارة ستفتح الباب امام الكثيرين من رجال الاعمال اللبنانيين المنتشرين في  القارة الافريقية ، والذين كان لهم دور اساسي في بناء اقتصاديات عدد من الدول  الافريقية ، واثبتوا كفاءاتهم في مختلف الاعمال ، وهم اشخاص يتصفون بالنزاهة  والتزام القوانين والانظمة المرعية الاجراء .

       كما ان هذه الزيارة ستفتح لزملائي النواب والوفد المرافق نقل ما رأوا وما سمعوا وما  لمسوا من امكانيات للتعاون المشترك ، من اجل حث الحكومة اللبنانية على المبادرة الى  اقتراح حزمة اتفاقيات وبروتوكولات تعاون في مجالات تنمية القطاعين المالي والمصرفي  والصناعة والتجارة والسياحة والزراعة ، والانتاج الحيواني البري والبحري لما فيه  مصلحة لبنان والسودان .

       وفي هذا الاطار فإنني سأهتم شخصيا” بالطلب الى وزير التربية والتعليم العالي والى  رئيس الجامعة اللبنانية البحث في توقيع اتفاق للتعاون بين جامعتنا الوطنية  والجامعات السودانية ، وكذلك لبناء علاقة بين المؤسسات البحثية في البلدين .

       كما اني وبمناسبة هذه الزيارة انقل اليكم استعداد مؤسسات الرأي الثقافية في لبنان  لتقديم كل الدعم بمناسبة اعلان الخرطوم عاصمة للثقافة العربية عام 2005 .

       دولة الرئيس

       الزملاء الاعزاء

       السيدات والسادة

       لأننا في لبنان والسودان لدينا احساس متفوق بمآسي الاستعمار الذي لا نزال نعاني من  فتنه ومن محاولاته لارباك النظام العام في بلدينا  فإننا لا بد ان ننتبه ليس فقط  للمعنى المأساوي للحرب الاسرائيلية على

اشقائنا في فلسطين ، بل للابعاد الحقيقية لهذه الحرب التي تستهدف توقيع نكبة جديدة  بهذا الشعب الشقيق .

       انبه الى ذلك لأنه ليس من قبيل المصادفة ان ترتفع وتيرة هذه الحرب متجاوزة الحدود  بإتجاه سوريا عبر الاعتداء الجوي الذي طال موقعا” مدنيا” في قرية عين الصاحب ، وعبر  العدوان والانتهاكات للمجال الجوي وحرمة المياه الاقليمية اللبنانية ، وان يترافق  ذلك مع اصدار الكونغرس الاميريكي ما سمي بقانون محاسبة سوريا ، ومع مساعي مبذولة في  الكـونغرس من اجل اقرار قانون لتوطين الفلسطينيين ، ومع قرار الادارة الاميركية رصد  مبلغ يتجاوز الملياري دولار لمساعدات عسكرية لاسرائيل وايضا” وايضا” بالترافق مع  قرار الادارة الاميركية تمديد العمل بما يسمى قانون ” السلام في السودان ” الصادر  عن الكونغرس ، ومع محاولة توسيع دائرة القلق والاضطراب لتطال كل مساحة العالمين  العربي والاسلامي .

       اننا نرى ان الادارة الاميركية بالاضافة الى حرب السيطرة التي تديرها لحسابها الخاص  ، فإنها كذلك تدير حروبا” بالوكالة لمصلحة اسرائيل ، كما تمهد لحسابها المناخ  الاستراتيجي الذي يمكنها من البقاء كإستثناء لا تطبق عليها القرارات ولا الاتفاقيات  ولا المعايير الدولية .

       ان السودان الشقيق يستطيع ان يلعب دورا” في محيطه العربي والافريقي ، من اجل تشكيل  رأي عام دولي مناهض لهذا الاستبداد والطغيان ، الذي يتم تحت ستار غبار كثيف لتمويه  النوايا بزعم مساعدة الشعوب المكافحة من اجل الانعتاق من الحرب ، ولاستعادة قدرتها  للاعتماد على النفس وتعزيز مساحة الحرية والديموقراطية ، وايضا” مناهض ورافض للحرب  الاسرائيلية العدوانية الممنهجة الهادفة لتدمير وسائل حياة الشعب الفلسطيني واجباره  على مغادرة ارضه .

       اننا كبرلمانيين عرب مطالبون بالمبادرة الى اطلاق دبلوماسية برلمانية على مساحة  كافة المحافل البرلمانية في العالم ، من اجل ان لا يبقى الصمت مطبقا” حيال الوقائع  الفلسطينية وحيال الاخطار التي تهدد السلم والامن الاقليميين والدوليين على خلفية  الاعتداءات الاسرائيلية عبر الحدود على لبنان وسوريا .

       كما اننا كبرلمانيين عرب وبغض النظر عن ضرورات الحكام على مساحة النظام العربي ،  مطالبون برفع الصوت من اجل استعادة العراق لسيادته واستقلاله وتمكين الشعب العراقي  وبالسرعة القصوى من صياغة دستوره واختيار نظامه بنفسه .

       دولة الرئيس

       الزملاء الاعزاء

       السيدات والسادة

       اخيرا” وليس آخرا” اود ان أعبر عن تقديري البالغ للحكمة والروية وسعة الصدر ، التي  تحلى بها دولة الرئيس احمد الطاهر في رئاسته للاتحاد البرلماني العربي في ذروة  التحدي لامتنا على مختلف الصعد .

       وفي كل الحالات فإن فضيلة الصبر هي ما تميز الاشقاء في السودان ، وهي ستمكنهم دون  ادنى شك من صناعة وبناء استقرارهم وازدهارهم ، وستمكنهم من الاسهام في النهوض  بالوضع العربي نحو المزيد من التنسيق والتعاون والتضامن ، مما سيمكننا جميعا” من  مواجهـة التحديات الضاغطة على دولنا ومواطنينا من المحيط الى الخليج .

       وفي الختام ، اذ اجدد شكري الخالص لدولة الاخ احمد الطاهر رئيس المجلس الوطني في  السودان الشقيق وللمجلس وادارته ، على حسن الاستقبال والتنظيم ، وعلى كرم الضيافة ،  فإني اسأل الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا واياكم في مهماتنا بما يخدم امتنا وخصوصا”  السودان ولبنان .

                                          عشتم

                                          عاش السودان

                                          عاش لبنان

هذه التدوينة نشرت في خطابات. الإشارة المرجعية.