كلمة الرئيس بري في مهرجان التبغ السنوي ـ عكار

هي حكاية الأمهات القريبات إلى الله في وحشة الليل، وهن يعبرن على زيح الوقت إلى القطاف،

وهي حكاية (العاتول) و(الميبر) و(الخيط) و(المنشر) و(البندك) و(الإنتظار).

وهي حكاية عطش، ومواعيد دائمة مع العذاب، رؤى تنسل من حضن الليل، تسير على رؤوس أصابع وجرح الضوء لتقتفي اثر ما تناثر من أحلامها.

وهي حكاية أكف كأنها صفحات كتبت عليها الريح ما تشاء من تشابك الأزمان بالجمر والماء والوجع.

وهي حكاية أصابع تمتد بحنان كبير لتوقظ أوراقاً تستحم بعرق الأطفال الذين يسبقون أعمارهم. فيبدأون صراعهم باكراً مع الحياة.

وهي حكاية شفاه تعتصر ظلماً، والكلام فيها أكثر مرارة من شتلة التبغ، لكنه أرق من نسيم الشمال الذي تمتزج فيه عذوبة بردى بصفاء النهر الجنوبي الكبير.

ثم ها نحن بين مشهدين: مشهد مزارعي التبغ أحد أكبر قطاعات العمل في لبنان، ومشهد عكار صنو الجنوب.

عكار التي تحب لبنان من طرف واحد تقدم أبناءها جنوداً حتى كأنها تلدهم لكي يكونوا جنوداً لوطن يقصر بالمقابل حتى عن حب عكار على عذاباتها.

عكار التي لا تزال في مطلع الألفية الثالثة تلملم قمح الهواء، وتفسر الوعود التي لا تنتهي إلا إلى الفراغ.

ثم ها نحن في عكار وفاء لوعد قطعناه في الجنوب بأن نحمل الجنوب في قلبنا إليكم هذا العام ونأتي إلى لقاء التبغ لنقول:

أنه إذا انتهى الجهاد الأصغر من أجل تحرير الأرض ودحر الإحتلال، فإن الجهاد الأكبر من أجل أن يكون لبنان وطناً لإزدهار الإنسان لن ينتهي طالما هناك محروم واحد أو منطقة محرومة في لبنان.

أقول ذلك لأن شعبنا الذي حقق الإنتصار الكبير على جبهة الجنوب والبقاع الغربي قد أثبت أنه يستحق الوطن ويستحق الحياة ويستحق التنمية، ويستحق أن يكون أنموذجاً لوطن عصري حديث فهل تثبت الدولة أنها تستحق هذا الشعب؟

وأقول ذلك، حتى تطمئن عكار ويطمئن الجنوب وكل بقاع الوطن أنه آن الأوان كي تنهض الدولة بمسؤولياتها كاملة من الناقورة حتى النهر الكبير الجنوبي، لأن تأكيد مسؤولية الدولة هو الأساس الذي يمنع إسرائيل من التفكير بإرباك النظام العام في بلدنا ومن التسلل عبر أي ثغرة كي تمد أصابعها للعبث الوقائع اللبنانية.

أشدد على ضرورة الدولة لأن اندحار إسرائيل لا يعني أن إسرائيل تريد سلام لبنان، وتريد لهذه التجربة الفريدة التي تمثلها صيغة العيش المشترك الذي هو نقيض إسرائيل العنصرية أن تستمر.

واؤكد على ما تقدم لأن الدولة هي وحدها التي تستطيع أن تمنع العدو من التجاوز، وغياب مسؤولية الدولة والحرمان سيشكل دائماً منطلقاً للخوف والهواجس، وضعفاً أمام العدو المصمم على الإنتقام من لبنان بعد أن خرج من جنوبنا وبقاعنا ذليلاً.

ولا بد من الملاحظة أن الأسباب الرئيسية لما أصاب لبنان جراء حروب إسرائيل واحتلالها لأرضنا وما أصاب بلدنا من محن، هو تقصير العهود السابقة والظلم الإجتماعي والحرمان للأكثرية وتجاهل وضع المناطق المحرومة، والإلتهاء بالنفس والتمسك الجاهل بالمصالح الذاتية.

إن أملنا معلق بعد الله على أن لبنان  دخل عهداً جديداً بقيادة فخامة الرئيس العماد إميل لحود يعمل لإثبات أن الوطنية ليست  شعارات ولا أرباحاً ومكاسب، ولا متاعاً للمساومة وللعرض والطلب، وأن الوطن هو ابعاد وجود الإنسان وأساس كرامته ومجال رسالته.

إن هذا العهد الذي تأسس على قاعدة إتفاق الوفاق الوطني قد انطلق إرتكازاً على عصر المقاومة الذي أسسناه وأرسينا قواعده مقابل العصر الإسرائيلي، منذ أن وقف شبابنا يفدون لبنان على تلال الطيبة وشلعبون وفي خلدة على بوابة بيروت ومنذ أن أطلق محمد سعد قوافل الإستشهاديين وصولاً إلى إفتداء لبنان بدماء شهداء أفواج المقاومة اللبنانية أمل إلى جانب إخوة جهادهم في المقاومة الإسلامية والجيش العربي السوري والجيش الوطني اللبناني وحزب البعث العربي الإشتراكي والحزب السوري القومي الإجتماعي والإخوة الشيوعيين وكل القوى الوطنية الحية.

إننا إنطلاقاً من ذلك نؤكد اليوم أن الدولة لن تهمل واجباتها وأنها ستقوم بجميع أدوارها خصوصاً دورها الإنمائي والإقتصادي، الذي يشكل الأساس لتحصين المواطن وأمنه الوطني والإقتصادي والغذائي والصحي والبيئي وأنها دون شك ستعمل من أجل إقتناص عائد التحرير الذي تحقق والذي وحد لبنان أرضاً وشعباً، وأن الدولة ستكون بالتالي شيئاً محسوساً وملموساً في كل لبنان.

ولأننا على هذه الدرجة من الثقة بالدولة وبأنفسنا وبمجتمعنا المقاوم، نقول أن عكار لن تبقى على الخط الأسود، وأن أنجم البلدات والقرى المعلقة على حبل يشبه الطريق إلى عكار العتيقة سوف تتصل بنفسها وبكل الوطن، وأن مشروعات الري التي طالب بها الإمام الصدر لإرواء سهل عكار كما لإرواء الجنوب وكل المناطق المحرومة ستبصر النور فقضاء عكار هو كنز مفقود في لبنان، لم تعرف الدولة أهميته حتى الآن كما أنه الحمدلله لم تعرف أهمية اي كنز في لبنان على الإطلاق، ولم تحسن الدولة الإستفادة من ثرواته الطبيعية والزراعية والأثرية. زارها الرئيس المرحوم بشارة الخوري عام 1946 وبعدها زارها الرئيس المرحوم كميل شمعون، منذ ذلك التاريخ وما كان أهلنا في عكار ينتظرون على سبيل المثال لا الحصر مشروع مياه وادي السبع في بلدة أكروم ينتظرون منذ نصف قرن، وما زال الأهالي ينقلون المياه بالصهاريج وعلى البغال والحمير. ما زالوا ينتظرون الوعود بإنشاء السدود. سد النهر الكبير ونهر الأسطوان والنهر البارد وغيرهم.  مثلاً آخر على الأقل ما زالوا ينتظرون افتتاح إستراحة شاطئ العبدة، وهي إستراحة بنتها وزارة السياحة (يمكن بالغلط) على شاطئ طوله 12 كلم وأصبح الشاطئ مليئاً بالقاذورات والنفايات، بينما لم تفتتح هذه الإستراحة أقول ماذا بشأن المنتجعات السياحية الغنية بالمياه الكبريتية التي يمكن الإستفادة منها في السماقية، والطاقة الكبرى إهمال المعالم الأثرية وهي في عكار التي هي أغنى المناطق بالآثار ويكفي تل عرقة وقلعة الحصين وغيرها.

أما الموضوع الآخر الذي هو أيضاً أصبح من العالم للأسف، وكيف يمكن أن يتصور لبنان، أريد أن أتكلم عن المرأة العكارية التي تتحمل الحرمان وتقاومه كما قاومت المرأة في الجنوب العدو الإسرائيلي، والذي هو والعدو الإسرائيلي صنوان، هذه المرأة لها ولأمهات التبغ وأمهات الحرمان ألف تحية وتحية وسلام وبعد.

بالإنتقال إلى هذه المناسبة فإنني أدعو الحكومة إلى تبني توصية المجلس النيابي في جلسته المنعقدة في بنت جبيل بتاريخ 31/5/2000 والتي تدعو بصفة خاصة إلى السماح بزيادة محصول التبغ بمعدل مليوني كيلو غرام سنوياً، نحن لا نطالب بالزيادة من أجل الموضوع المادي فقط أريد أن يعلم الجميع أن هذه الزراعة كانت بندقية في وجه الإحتلال، إن شتلة التبغ كانت رصاصة في صدر العدو فلا يمكن أن نكافئ هذه المقاومة الشعبية بأن تبقى نحاصرها، كما نتمنى لمصلحة الدولة والحكومة ورئيسها ووزير المالية أن تقلعوا عن تجارة جحا بالبيض هذه التجارة أي زيادة الرسوم فلقد زدتم الرسوم على التبغ ولقد تكلمنا عن هذا الموضوع العام الماضي وصدرت توصيات وعاد مجلس الوزراء ووجدتم أنكم تخسرون، وقيل أن الجمارك تربح أكثر من الريجي وبتربح الريجي أكثر من الجمارك كأن الريجي لبلد والجمارك لبلد آخرز كأننا نأخذ من هذه الجيبة إلى الجيبة الاخرى ما هذا الأمر؟

هذا الأمر لا يجوز. هذا القطاع الآن يمثل واحد على عشرة من الشعب اللبناني وآلاف العائلات تعيش منه في الجنوب وعكار والشمال والبقاع، هذه لقمة التبغ المرة ولكنها ليست أمر من العوز، إن التفكير بزيادة الرسوم كان لا شك إنطلاقاً من حسن نية ولكن صبرنا، جربنا سنة وسنة ونصف فتبين أن هناك خسارة فلماذا هذا العذاب، هل مطلوب خصخصة الريجي؟ لبيعها بسعر جيد، إن الشعب اللبناني ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وكل وزير كل على حدى لا يقبل بهذا الأمر فلماذا تقبلون جميعاً به، يجب الإقلاع عن هذا الأمر.

وأوجه عناية الحكومة إلى أن العاملين في زراعة التبغ والتنباك في لبنان يمثلون قطاعاً حيوياً وشريحة إجتماعية أساسية في لبنان، وقطاعاً نقابياً منظماً ودينامياً لعب دوراً بمواجهة سلطات الإنتداب واحتكاراتها وبمواجهة كل عهود الإقطاع، وهو من القطاعات الأكثر أهمية من النواحي الإجتماعية والوطنية والإقتصادية.

ولا بد من الإشارة إلى وجود مئتين وخمسين ألف مواطن مرتبطين على الصعيد الإجتماعي بإدارة حصر التبغ والتنباك بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأن هذه الزراعة والأسعار التشجيعية للإنتاج التي وضعتها ادارة الحصر ساهمت في تثبيت المزارعين بأرضهم في جميع المناطق اللبنانية، ولولا هذه الزراعة لفرغ الجنوب ولفقدت المقاومة أهم عناصرها على الإطلاق.

إن إقتصاديات بلدات كاملة محررة حديثاً تقوم على هذه الزراعة. إن أحد أهم النماذج لإثبات أهمية هذه الزراعة وطنياً وإجتماعياً تتبين من خلال النظر لمقطع جغرافي في قضاء بنت جبيل تمثله ست بلدات محررة حديثاً هي: رميش، عيتا الشعب، عيترون، بليدا، ميس الجبل، ومارون الراس، فقد وصلت المبالغ المدفوعة بدل كميات الإنتاج لثلاثة آلاف وستماية وعشرة مزارعين إلى أربعة عشر مليار ليرة لبنانية من إدارة الريجي وإلا كيف صمدت الناس هناك؟ هل صمدت بالخطابات أو بالإنشاء العربي أو الكهرباء التي أعطتها الدولة أو المياه؟

هل بقيت بالتمنيات فقط؟

لا، ولنتكلم بصراحة، لم نعد نستطع إلا أن نتكلم بصراحة مطلقة، الشعب اللبناني، كل الشعب اللبناني هو الذي طرد إسرائيل وبمؤازرة سوريا طرد إسرائيل وهذا الكلام ليس تزلفاً أبداً فإذا كان هناك من أحب سوريا خوفاً من نارها أو طمعاً بجنتها، فنحن قلنا أن إستراتيجيتنا والرئيس حافظ الأسد قلنا ذلك من موقع حرصنا على أن مصلحة لبنان ومصلحة سوريا ومصلحة العرب تقضي بذلك وليس من موقع التزلف أبداً.

فلنتكلم بصراحة أن الشعب اللبناني بدعم سوريا، طرد إسرائيل وليس الأنظمة العربية التي طردت إسرائيل ولا أيضاً الدعم العربي ولا دعم أحد. منذ عام 1984 قلت في مهرجان حزب البعث أني خاطبت سيادة الرئيس: إني أتلقى الدعم منكم وليس من غيركم منذ ذلك التاريخ قلنا نزرع اجسادنا في الأرض والقطاف آت وهو التحرير هذا الكلام قلناه في عام 1984 وقلناه أيضاً بعد ذلك، وكان الإمام موسى الصدر قد سبقنا عندما خاطبهم (الإسرائيليون) قائلاً: لستم أقوى من أميركا ولسنا أضعف من فيتنام.

هذا الشعب العربي اللبناني، كل الشعب هو الذي حرر  وطرد إسرائيل وعلى الدولة اللبنانية أن تحررنا من الحرمان، وليس من عبث أبداً سمينا حركتنا حركة محرومين في البداية ثم كانت حركة أمل أفواج المقاومة اللبنانية هذا الحرمان أوصل العدو وإني أحذر وأقول أن النصر العظيم العظيم الهادر الذي تحقق يمكن تذهب به لقمة العيش، وصدقوني فالإتحاد السوفياتي كان إمبراطورية وقد أتى بها رغيف وذهب بها رغيف، يجب أن لا نخطئ ولنكرس النصر وذذلك برفع الحرمان ليس عن الجنوب فقط وإنما عن كل مكان في لبنان بدءاً بعكار ثم بعلبك الهرمل وجرود جبيل وإقليم الخروب وأحزمة البؤس فلنستفد من هذا النصر ونحققه برفع الحرمان وإلا بعد أشهر سوف نسمع كلاماً آخر ويحس الناس إحساساً آخر فهل مقصود التكفير أو التهجير؟

أيها الأعزاء، لا بد أن أذكر مزارعي التبغ بتاريخهم المجيد ونحن على أبواب إستحقاق وطني هام يتمثل بالإنتخابات النيابية.

لقد لعبتم دور المنشط للحركة النقابية في لبنان وكنتم دائماً في المقدمة من أجل كسر كل إحتكار ومن أجل جعلكم أسرى الرخصة وجعلكم تدفعون من عرق جبينكم ومن سهركم وتعبكم ثمناً لضمان الرخص، وإدارة حصر التبغ الحالية جعلت إعطاء الرخصة ليست إحتكاراً وهي أعطتها للشعب من دون واسطة.

لقد أصبحتم اليوم تملكون قوة عملكم وإنتاجكم، وانا لا أكشف سراً عندما أقول أن هناك توجهاً لتصفية هذه الزراعة الشريفة المتعبة التي كانت تمتد سنتها لستة عشر شهراً. إني أتساءل عن تلك السياسات التي تدفع الأمور على هذا النحو دون بدائل، ولا زلنا أمام الأسئلة المعلقة على بدائل الزراعات الحرام في البقاع والشمال وهنا أريد أن أتوقف، ولا أحد يفكر أنه دفاعاً عن زراعة الحشيشة، هذه الزراعة محرمة وعيب على اللبناني أن يتعاطى بها أو يزرعها أو يتاجر بها ولكن، هذه الزراعة كانت موجودة وبثمن بخيس وبدراهم معدودة تخلينا عن الموضوع في زمن الحكومة السابقة وليس هذه الحكومة، لقد أخذت تونس ثمانمائة مليون دولار ولم تنته وماذا أعطونا؟ لقد أعطونا خمسة ملايين دولار وقيل أنها ذهبت للإداريين. لقد تخلينا عن هذه الزراعة ولكن أين الزراعة البديلة؟ لا شيء المشمش أصبحت أكلافه أكثر من مبيعه وكذلك العنب، إن قطاع البستنة على طول الساحل الجنوبي قد خسر ربع قوة إنتاجه بسبب الأعلاف الباهظة وبدأ الإسمنت والتصحر يغزو هذا المعقل الزراعي. إني أجزم أن معالي الوزير الصديق سليمان فرنجية لا يقبل هذه الوقائع، إلا أن الأمر يحتاج إلى مبادرة الدولة للإستثمار على قطاع الزراعة، هل أحد يصدق أن موازنة الزراعة صفر فاصلة مع العلم أن 40 بالمئة من اللبنانيين يعيشون على الزراعة ومعنى ذلك أنهم يريدون أن يعيشوا الآن الناس على صفر فاصلة. إنني أدعو الحكومة إلى بحث الأسباب وإلى إيجاد الوسائل لتطوير الزراعة واستحداث مساحات زراعية جديدة، وتأمين الري وإطلاق مشروعات التنمية الريفية، لأننا دون ذلك سنبقى البلد الأكثر تصديراً لموارده البشرية قياساً لعدد سكانه، هذه الإحصاءات التي نشرت في الصحف أنه إبان الأحداث غادر سبعمائة ألف إلى الخارج وبعد الطائف غادر تسعماية ألف لماذا؟ إنه الوضع الإقتصادي ولا يوجد جواب آخر، فالأمن ليس فيه مشكلة على الإطلاق ولبنان أفضل من سويسرا اذن ما هي المشكلة، هناك شيء غلط. كما أنكم مدعوون كالعادة لتأكيد مشاركتكم القوية في الإستحقاق الإنتخابي لإغلاق الباب نهائياً أمام كل الذين حاولوا جعلكم مكسراً لعصاهم وأمام الذين قمعوا أحلامكم وأمام الذين أغلقوا الباب أمام تحديث وتطوير وطننا وقادوه إلى الفتن والحروب والتخلف.

وبالإنتقال من الشمال إلى الجنوب فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هل أن إسرائيل أدارت ظهرها نهائياً للبنان؟ وهل أننا لن نشهد ذات يوم فعلاً عدواناً إسرائيلياً ضد لبنان؟

أقول بصراحة، ومع الأسف الشديد الجواب: لا آخر الأخبار، وكأننا لا  نعرف الألوان والتلوين، آخر خبر أن ما يسمى الخط الأزرق الذي طلعوا به وهو غير خط حدود العام 1923 أي خط الحدود الدولية. آخر خبر أمس أنهم في الأمم المتحدة خرجوا بخط أزرق ثاني والخط الأزرق الثاني هو أسوأ من الخط الأزرق الأول، الأمر بمنتهى البساطة الخط الأزرق سيصبح خطاً أحمر والمقاومة التي حررت 1203 كلم تستطيع أن تحرر الأرض الباقية.

لن يؤثر علينا التخويف ولا التهويل، إنهم يهددونا بالطائرات ألم يهددونا في السابق؟ ألم يقصفونا في السابق؟ عام 1982 قصفوا في يوم واحد العاصمة بيروت، وأذكر أنه كان يوم خميس بخمسين ألف قذيفة. إنهم يهددونا، فهل يخشى المبلل من الشتاء؟ لقد احتلوا الشريط 22 سنة ودمروا المنطقة، ولا يصدق أحد حجم الدمار الذي تركوه، إذن على الإسرائيليين أن يخرجوا من آخر شبر من الأرض، ونريد الوقف الماروني في رميش ونريد كل شبر في كل مكان عام لأن هذه هي أرضنا وأعلن من هنا وبإسمي وبإسم فخامة رئيس الجمهورية وبإسم الجميع بأن الخط الأزرق الجديد كما الخط الأزرق القديم مع القول دائماً بأننا لن نسمح بأن يكون هناك مشكلة بيننا وبين الأمم المتحدة، وهذه اللعبة لن تمر علينا وإسرائيل تحاول أن تلعب هذه اللعبة ومرات كثيرة تضع محل الأمم الولايات المتحدة وتحاول أن تضعنا أمام الأمم أو في مواجهة الامم المتحدة.

وكما قلت فقوات الأمم المتحدة هم إخوتنا وعاشوا معنا وتعذبوا معنا واستشهدوا معنا وجرحوا معنا وتحاصروا معنا عام 1993 وعام 1996، وأقامت سوريا جسراً تموينياً من دمشق إلى مصيلح وكنا نطعم رجال الأمم المتحدة كما يأكل أهلنا في الجنوب. هؤلاء سيبقون أصدقائنا وحلفاءنا، ولكن سنقول لهم دائماً: لا، لا فمزارع شبعا لبنانية وكل شبر نريده.

لو أن إسرائيل لها نوايا حسنة، مع أن إسرائيل أجبرت على الإنسحاب، إلا أن اختيارها ومحاولة الإيحاء بأنها أسرعت في تنفيذ القرار  425، وطالما أنها لم تنفذ قرارات دولية أخرى وطالما أنها لم تعترف أن تنفيذ القرار 425 مقدمة لتنفيذ القرارين 242 و338. ثم ما يعني أنها تريد أن توحي بتطبيق ال 425 بسرعة وتريد القول أنها برأت ذمتها ونفذت القرار- أنها تريد ذلك لأنها تنوي الشر وأن تضرب لبنان تحت غطاء الأمم المتحدة.

وبالتالي فما هي إذن الضمانات الرادعة لإسرائيل لمنعها من اللجوء إلى القوة وعبور منطقة عمل قوات الدولية طالما أنها فعلت ذلك عام 1982؟

لقد حذرت طيلة السنوات السابقة وأعود إلى التحذير من أن إسرائيل ستواصل العمل من أجل منع قيام لبنان كمنافس لها، ومن أجل إبقائه مشوه حرب ورصيفاً للتسوية إن إسرائيل التي ترفض بحث حق عودة اللاجئين، تعمل على حل هذه المشكلة على حساب لبنان وعلى حساب الدول التي فتحت لهم أبوابها على أساس أنها ممر لعودتهم إلى بلادهم.

وأود أن أوجه عناية الجميع إلى أن إسرائيل تحاول أن تبرر سلفاً أي حركة عدوانية لها عبر ما سربته على لسان مصدر عسكري يوم الثلاثاء 20/6/2000 الذي زعم أن أعمال بناء الجدار الأمني على طول الحدود اللبنانية لن تستكمل قبل شهر تشرين الأول المقبل، وأن هذا الأمر يطرح إمكانية حدوث عمليات عبر الحدود.

إن لبنان إذ يؤكد في هذا المجال إصراره على إتمام الإنسحاب الإسرائيلي إلى ما وراء الحدود الدولية براً وبحراً وجواً، يحتفظ لنفسه بحق التعويض على كل ما ألحقته إسرائيل ببلدنا من موت ودمار وتخريب، وعلى استعادة آثاره المنهوبة، وعلى تنظيف بيئته البرية والبحرية من آثار المواد الحربية والممنوعة والمحرمة دولياً.

ايتها الأمهات والأخوات والإخوة، لقد أراد لنا الأسد نجل الرئيس الخالد حافظ الأسد لقد خطط لإقامة هذا الحفل التكريمي لمزارع التبغ الأنموذجي في هذا المكان قبل أن يقع قضاء الله الذي لا يمكن رده، وننتبه متأخرين إلى حامي عرين العروبة وهو لا يئن ولا يشتكي وقد وضعنا على كاهليه كل بكائنا وتعبنا وجراحنا وأوجاعنا، وتركناه يملح خبز حكاياتنا وخبز بيوتنا وخبز أحلامنا وهو يذوب أمامنا ولأجلنا، ونحن لا ندري.

إذن وقع الإختيار على ثانوية الشهيد باسل الأسد لإقامة هذا اللقاء السنوي، فإذا بالموعد يقع في موسم الحزن وعلى موعد مع العهد والوعد بأن لا نغادر ما تعلمناه في مدرسة الأسد، على الدوام. الكرامة والعروبة، والوقت والإنسان والوطن، والأمة والمقاومة.

ولأننا في مدرسة الأسد، سأبدأ من الدرس الأخير. تذكرون أنه منذ أربعة عشر شهراً أخذت سلطات القرار السياسي في العالم بيد باراك إلى منصب الوزير الأول الإسرائيلي، وجرى تصويره وكأنه نبي السلام، بينما العرب هم الذين يضعون شروطاً على السلام.

وحده الرئيس الأسد جدد تأكيده على إستراتيجية السلام العادل والشامل، ونبه العالم إلى عدم الإفراط بالتفاؤل لأن باراك وحكومته غير قادرين على إتخاذ قرارات شجاعة.

وأكد الرئيس الأسد أن المستوى السياسي الإسرائيلي يعاني من عجز أي سلطة قرار عن السير خطوات إلى الخلف وإنهاء الإحتلال الإسرائيلي بشكل كامل مقابل السلام. ووحده الرئيس الأسد نبه إلى أن باراك يحاول في الوقت ذاته التمويه عن عجز القوة الإسرائيلية في كسر مقاومة الشعب اللبناني وصموده وإخراج هزيمته من لبنان على أنها إنسحاب في إطار إلتزام الشرعية الدولية وقراراتها، مما مكن لبنان من إفشال كل محاولة إسرائيلية للإستثمار على الإندحار من لبنان بخلق شرخ في العلاقات السورية- اللبنانية. وأثبت أن الإسرائيليين غير قادرين على فهم حقيقة راسخة وهي وحدة المصير المشترك بين لبنان وسوريا.

ووحده الرئيس الأسد الذي كان يثق بالله وبشعبه وحزبه وجيشه، عرف أن الأبناء والإخوة سيتابعون طريقه بعزم وإباء وأنهم سيسلكون نهجه في كتابة التاريخ لشعبهم وأمتهم، وأنهم سيكونون على مستوى المسؤولية.

وها نحن أمام صورة كل المشاهد التي توقعها بكل دقة: فقد جسد حزب البعث العربي الإشتراكي ثقة قواعده وآمالهم المعلقة عل سيادة الفريق الدكتور بشار الأسد الذي ولد ونشأ وترعرع في عرين الأسد باختياره لقيادة الحزب والدولة.

إننا متأكدون أن سيادته سيواصل بناء سوريا الحديثة، وأن الأجيال العربية الشابة ستحقق أمانيها في المشاركة المتزايدة في حياة المجتمع والدولة وفي مواكبة عصرها بالنهوض بوسائل تحقيق العملية التنموية وإقامة معاصرة بين التكنولوجيا والمجتمع والإنسان. كما أننا متأكدون من أن سوريا قلعة العرب والعروبة بقيادته ستزداد منعة وقوة وستفرض خيار الحل العادل والشامل المشرف الذي يضمن تحرير الأرض واستعادة الحقوق.

ونحن في لبنان كما كنا أوفياء للراحل الكبير، سنكون أوفياء لسيادة الدكتور بشار الأسد ولتضحيات سوريا شعباً وحزباً وجيشاً في سبيل قيامة لبنان واستعادته لوحدة أرضه وشعبه ومؤسساته ودحره للإحتلال الإسرائيلي.

أيها الامهات والأخوات والإخوة، أيها المزارعون،

لأنكم الأقرب إلى القلب والأصدق والأخلص في الإنتماء أستجيب كل عام لدعوة إتحاد نقابات العاملين في زراعة التبغ والتنباك في لبنان لرعاية اللقاء التكريمي لمزارع التبغ الأنموذجي الذي لا يتأخر في الشوق ولا يتأخر في الشروق، والذي يغسل وجه الصبح بعرق جبينه، ويفتح بوابة ذاكرته للآماسي المتعبة التي ترتاح في خيط غلته.

فلكم التحية من الجنوب، من أرض الجنوب المقاوم ومقاوميه وشهدائه وجرحى الجنوب وشهداء الحادث اليوم الذين يدفنون في تراب الجنوب إلى الشمال، بل من الشمال إلى البقاع إلى الجنوب، يا أبناء التبغ الذين تمدون شرفة الوطن على الفضاء الفسيح ولا تتقاعسون ولا تنعسون عن لبنان.

هذه التدوينة نشرت في خطابات الرئيس بري, دعم شتلة التبغ. الإشارة المرجعية.