كلمة الرئيس نبيه بري بمناسبة إفتتاح معرض لبنان الدولي الخامس للكتاب

لطفولتنا التي تسترق السمع لمجالس الكبار، حيث المساءات التي تعتق الشاي، وحيث الكلام عن الغواية والرواية، وحيث الاحرف الظمأى تبللها مياه القصائد، فيسكن الشعر في الصوت والصدى.
لكلمتنا البيضاء الصافية كروح الثلج، العالية المعنى كعصافير على ذروة شجرة سنديان، والتي تضحك في شرفة العين، وتطلق اعنة جياد الرؤيا، والتي تلدغ برعم القلب فيزقو، والتي يسافر فيها اللحن فتخرج من تابوت النوم الى الهناء.
للغتنا الي تحملنا على الامل والصبر، وتمنحنا رجاء الشهادة، وتلملم انقاضنا كي نجد الطريق الى حدائق الحياة المضيئة.
للغتنا التي تسلك بنا الدرب، من نقطة اول السطر، فتخرجنا من متاهة دمار الليل، وتأخذ بيدنا الى النهار، تذوب فينا ونذوب فيها، فاذا افترقنا نلتقي فينا، واذا التقينا على سعة المكان نتعانق كالحروف ونقاطها، والارض وخصوبة مواسمها.
للغتنا التي نرى فيها سفرنا الجارح في كتاب المنفى.
للغتنا التي تدخل في مرآة الكتاب، الكتاب الذي نرى فيه فجرنا ورداً ابيض، ناهضاً من سواد الليل.
اذن، لكتبنا المخطوطة التي اشتعلت بها افران عكا، وطارد انقاضها الغزاة، وقرأنا في رمادها الضوء والاغصان. وان اجدادنا قضوا وجداً وانهم انجبوا بحراً، وانهم رسموا لنا احجية النهر كي نقف على لغة الماء، فنتضور عطشاً، ولا نرتوي الا من نبع الحرف الذي حملت ابجديته الاولى اشرعة الفلاحين المبحرين من صور وصيدون وبيروت وجبيل وطرابلس.
لتلك الكتب التي لا تستكين الى النعاس، ولا تنبس بحرف في ساحة الفراغ، والتي تنبض كنحلة في مواعيد الورد.
وللكتاب الذي نقرأ فيه الكلمة التي كانت هي البدء، وفي البدء كان: الله، وللكتاب الذي نقرأ فيه لبنان رسالة محبة وتسامح ومقاومة، كتاباً من عسل اللغة.
ولمعرضكم المتجدد للكتاب، تحية الفرح المزدهر بالنصوص الممتلئة الناضجة.
وبعد..

مجدداً، اعبر عن سروري لتشريفي المستمر برعاية هذا المعرض الدولي للكتاب الذي ينطلق كل عام بالتعاون بين اتحاد نقابة الناشرين في لبنان، ووزارة الثقافة. والذي يتطور عاماً بعد عاماً باستقطاب اهتمامات الدول والمؤسسات العالمية المعنية بالنشر، والذي اخذ يفتح الباب لفعاليات ثقافية متنوعة، وكذلك لانه بدأ يشكل منشطاً للعملية الثقافية ولسوق العمل وللانتاج الثقافي.
لقد سبق واشرت مرتين، في خلال افتتاحي لمعرضكم السنوي في الاعوام الماضية، الى ان هذا المعرض يشكل احدى الفعاليات الثقافية الاساسية التي يفترض ان تبني دور لبنان في نظامه العربي المتوسطي والعالمي .
ولبنان الدور، الذي اقصده، هو لبنان المكتبة ولبنان المطبعة، ولبنان المحترف الفني للرسم والنحت، ولبنان الانتاج الفني، ولبنان المتحف ولبنان التراث الانساني اولاً، ودائماً لبنان حديقة الحرية.
ان احدى صادرات لبنان غير الملحوظة في النظام الاقتصادي، هي المطبوعات والنصو والنوتات والصوت والصورة، وموارده البشرية المتخصصة في المجالات الابداعية والثقافية المتنوعة.

وعلى الرغم من كل ذلك، فان الاستثمار المادي والمعنوي الرسمي، وكذلك ما يسمى بـ”السبنسر” هو غير ملموس في هذا الاطار. وما اقوله هو اتهام للعهود والحكومات السابقة، ودعوة جدية لفخامة رئيس البلاد وللحكومة الحالية الى تعويض حرمان القطاع الثقافي، ورفع درجة الاهتمام الرسمي في هذا المجال، وكذلك تعويض لمؤسسات الرأي العام الثقافية التي تمّ تجاهلها في صياغة مشروع بيروت عاصمة ثقافية، والى الاستثمار على النظام الثقافي. لأننا ،كما قلنا في السابق، لا نملك مخزوناً نفطياً والحمدلله، بل نملك مخزوناً ثقافياً هائلاً يحتاج، في الحقيقة، الى توجيه بعض الاهتمام المعنوي والموارد المالية القليلة من اجل:

1ـ انشاء مراكز او قصر للثقافة يستوعب مؤسسات الراي العام الثقافية ونقاباته، وفي الطليعة اتحاد الكتاب اللبنانيين وجمعية الفنانين للرسم والنحت، واتحادات النقابات الفنية ،ونقابة شعراء الزجل، واتحاد نقابة الناشرين، والاشتقاقات الثقافية، والفنية التي تدور حول العناوين نفسها.
2ـ انجاز الضمان الصحي والاجتماعي للمثقفين والابداعيين، كما مزارعي التبغ والصيادين. وقد “بح” صوتنا ونحن نناشد حكومات العهد المنصرم تحقيق هذا المطلب.
ونحن نأمل، اليوم، ان يسجل هذا الانجاز في خانة العهد الحالي والحكومة الحالية.
3ـ تحقيق الصندوق الخاص بالانتاج السينمائي، واعادة اطلاق صناعة السينما في لبنان.
4ـ العمل لاعتبار السنة المالية الجديدة، ولا زال هناك متسع من الوقت، عام الكشف عن الكنوز الاثرية اللبنانية.

انني، في هذه المناسبة، ادعو الحكومة والوزارة المختصة الى استغلال الاعلان العالمي لليونسكو اعتبار صور مدينة اثرية، وموقعاً للتراث الانساني واطلاق طاقات لبنان وامكاناته من اجل تحويل مدينة صور، بما تضم من آثار برية وبحرية، الى متحف كامل.
ان حجم الآثار البحرية الذي نقلته عدسات غير محترفة ومشاهدات اجيال الصيادين، لما هو موجود تحت الماء على اعماق عادية، امر يثير الدهشة.
كما ان الاستطلاع المصور، التي اجرته الجمعية اللبنانية لحماية آثار وتراث الجنوب، للمواقع الاثرية البرية، امر يجعل من الكنوز الاثرية المعروضة، في اهم متاحف العالم كنوزاً عادية قياساً لما يمكن ان يدل عليه ابناء المنطقة الذين ذهبت نداءاتهم لمديرية الاثار، على مر السنين، ادراج الرياح.

ان استثمار القليل من المال، في اعمال الاثار وحماية التراث الانساني في الجنوب اللبناني، سيؤدي الى تدفق هائل للسياح. وهذا ليس معناه اهمال بقية المواقع الاثرية على مساحة لبنان، ولكنني اتحدث عن منطقة اثرية بكر، كشفت مديرية الاثار عن الاثار الملحوظة التي لا يمكن تجاهلها، وقام الممثلون والمنتدبون ولصوص الآثار بمدّ اياديهم الى ما استطاعوا الوصول اليه سبيلاً .

ايها السيدات والسادة،

ان استثمار انتاج النظام الثقافي في لبنان، بوجوهه الابداعية المتنوعة في وسائل الإعلام السمعية البصرية، وفي صناعة السينما وفي انشاء محترفات فنية، وفي تحويل لبنان الى معرض دائم للكتاب، وفي الكشف عن كنوز التراث الانساني والاثار،ـ هذا الاستثمار ـ هو وسيلة متاحة انطلاقاً من اعتبار بناء النظام الثقافي في لبنان اولوية اساسية، مع العلم انه الاقل كلفة من انشاء أي اوتوستراد سريع او من اي مشروع آخر.

انني اركز على هذا الاستثمار، لان استقرارالنظام الثقافي هو اساس استقرار النظام العام. اذ ان المواطنين في أي بلد من بلدان العالم، حين يتفقون على مفاهيم موحدة، فإنهم يؤسسون لاندماجهم الوطني، فتسود الثقافة الوطنية وتحل محل الثقافة الطائفية والمناطقية وسواها.
واركز على استثمار النظام الثقافي، لانه يبني الحرية المسؤولة على قاعدة ثقافة المشاركة والحوار والاعتراف بالاخر، والتربية على الديموقراطية وثقافة الحقوق والواجبات، ووعي قانوني ودستوري شامل.
كما واني اركز على هذا الاستثمار لانه يؤكد على مفهوم التنمية الشاملة، التي تدور حول الناس، وتلغي أي شكوك حول اعتبار البلد مساحة عقارية مفرزة للبيع.
كما اعتبرت ان هذا الحدث مناسبة لرفع شكوى المستوى الثقافي ومطالبه، فاني اعتبر منبر هذا المعرض السنوي مناسبة من اجل:

اولاً: حث مؤسسات الرأي العام الثقافية والاعلامية الرسمية والاهلية على معرفة حاجات الناس في التثقيف.
ثانياً: مناسبة للحث على انجاز كتاب التاريخ الموحد، لان شعباً دون كتاب تاريخ موحد سينقاد دائماً الى تبديد حياته في حروب استتباع كلما “دق الكوز بالجرة” .
ثالثاً: مناسبة لتعريف شعبنا بالاخطار التي تتهدده جراء الاطماع الاسرائيلية في ارضنا ومياهنا، وكذلك النظرة الاسرائيلية الى لبنان باعتباره يشكل اكبر الاخطار الاستراتيجية على اسرائيل من موقع امكانية لبنان على المنافسة الاقتصادية والتجارية والسياحية، كذلك المنافسة في مجال العلاقات الدولية والعلاقات الانسانية.

انني في اطار وعي اخطار هذا العدو اوجه عناية الجميع الى ان اسرائيل، وفي ذروة انشغال مستواها السياسي بالتنافس على رئاسة الحكومة وعلى مقاعد الكنيست، تحاول ان تجعل من بلدنا ورقة انتخابية عبر التلويح تارة بخطوة الى الامام وطوراً بخطوة الى الخلف، وها هي، اليوم، اقدمت على ضمّ بلدة ارنون، ومنعت اولادنا من الذهاب الى المدارس في منطقة النبطية، ومنعت فلاحينا ومزارعينا من الذهاب الى حقولهم.
إنها بادرة اولية من اسرائيل تذكرنا، منذ العام 1978 حيث كنا ننتظر ان تنسحب، وإذ بها تقدم حتى تصل الى العاصمة بيروت. والآن ننتظر منها ان تنسحب، إذ هي تضم اراضي وقرى وبلدات.
ان لبنان يجب ان يكون على استعداد لمواجهة أي احتمال، خصوصاً وان جميع التيارات السياسية الاسرائيلية القديمة والجديدة تقاد بواسطة وزراء دفاع او رؤساء اركان سابقين، وكل هؤلاء: ارينز، باراك، شاحاك، موردخاي، ايتان، وشارون قد جربوا، بالجملة والمفرق، عصاهم في لبنان، وارتكبوا المجازر ودمروا وشردوا واعتقلوا ابناء شعبنا، ومارسوا كل اشكال ارهابهم الاسود في الجولان والاراضي الفلسطينية المحتلة، وشكل بعضهم لبعض، في المعارضة او في الموالاة، شبكة امان للاخر في خلال حروبهم واعتداءاتهم على العرب وعلى لبنان بشكل خاص.

اننا، في العالم العربي ولبنان على وجه الخصوص، يجب ان نكون متأهبين لمواجهة نتائج الانتخابات الاسرائيلية المقررة يوم السابع عشر من ايار الاسرائيلي، هذا التاريخ الذي يمر بخاطر اللبنانيين، وهو يحمل ذكرى مشؤومة لاتفاقية حاولت اسرائيل فرضها على لبنان بالقوة كنتيجة من نتائج اجتياح لبنان وتدميره صيف عام 1982.

ان جذب الناخبين الاسرائيليين حتى ذلك التاريخ، نحو اليمين او اليسار او الوسط، يتم بالمزاد العلني المفتوح حول تطبيق او تعليق تنفيذ اتفاقيات اوسلو والواي، ويتم بقرع المزايدة المتطرفة حول ضم او ضمان الجولان، ورهن قرار المستوى السياسي في اسرائيل لأصوات المستوطنين، ويتم تحت دوي كرة النار الجوية والبحرية الاسرائيلية التي تستهدف لبنان كل يوم، او تقصف وحدة الموقف اللبناني ووحدة المسارين اللبناني والسوري بشعارات تضليلية، من جزين اولاً، الى لبنان اولاً.

ان اهم كتاب ابدعه لبنان ومقاومته كان بناء سلامه ووحدته الوطنية، وهما السلامان الامثل بمواجهة الاحتلال والعدوان وبناء عملية وحدة المصير، وتعزيز التعاون والتنسيق مع الشقيقة سوريا، وهو الامر الذي اسقط اسرائيل على الدوام في امتحان السلام العادل والشامل. وهذا الابداع اللبناني، مقاومة ووحدة وطنية ووحدة مصير مع سوريا، سيزداد قوة ووضوحاً ونصاعة، وسيكون الانموذج لمواجهة استتباعات 17 ايار الاسرائيلي الجديد.

ايها السيدات والسادة،

عود على بدء الى معرضكم، فانني اتوجه بالتحية الى الناشرين اللبنانين والعرب، آملاً منهم ان يبادروا الى تأسيس نهج واضح في العلاقة مع الكتاب في حفظ حقوقهم الادبية والفنية، وان لا يكونوا موضع شكوى من استغلال المبدعين، وامل من الدول العربية وعلى طريق صياغة سوق عربية مشتركة، المبادرة الى رفع القيود والرسوم الضريبية عن الكتاب، وتخفيف رسوم النقل عبر الموانىء الجوية والبرية .
كما واني اتوجه بالتحية الى الدول العربية المشاركة في المعرض والى المؤسسات الدولية وفي الطليعة معرض فرنكفورت الدولي، آملاً ان يشكل معرض هذا العام، بما يضم من فعاليات وانشطة ثقافية، مدخلاً لاستعادة بيروت عاصمة دائمة للثقافة، عبر تجسيد نهج جديد في العلاقة بين الوزارة المختصة ومؤسسات الفعل الثقافية، تتجاوز محاولة الاحتواء والهيمنة على العنوان وتحويله الى نص وبرنامج هابط، تأسيساً لاستعادة وطننا قطعة من السماء، تمثل كلمة الحقيقة والحق كما يجب ان يكون لبنان .

عشتــــــــــم
عاش لبنـــــان

هذه التدوينة نشرت في خطابات. الإشارة المرجعية.