كلمة الرئيس نبيه بري خلال احتفال الجمعية الاسلامية للتخصص والتوجيه العلمي

رعى رئيس مجلس النواب الاستاذ نبيه بري، عند السادسة من مساء اليوم، الاحتفال الذي اقامته الجمعية الاسلامية للتخصص والتوجيه العلمي لتكريم 68 طالبا وطالبة فازوا بمنح الجمعية للعام الدراسي 2011/2012 بحضور وزير الصحة علي حسن خليل والنواب السادة: ايوب حميد، عاصم قانصوه، نوار الساحلي، مروان فارس، علي بزي، ياسين جابر، عبد اللطيف الزين وقاسم هاشم ، والقائم بالاعمال الايراني في لبنان مهدي شوشتري وحشد من الشخصيات ورؤساء الهيئات الجامعية والتربوية والنقابيين واهالي الطلاب.بداية القى رئيس الجمعية جميل ابراهيم كلمة تحدث فيها عن عما قامت وتقوم به الجمعية مؤكدا انها “تعطي المنح للاكثر تفوقا واشد حاجة دون تمييز بين طائفة واخرى”. ولفت الى “ان كلفة الدراسة في الجامعات الاوروبية اقل من الاقساط في جامعات لبنان”.ثم القى الرئيس بري الكلمة الاتية: “ثم ها نحن ندخل في مدار الغموض الشديد كأننا اخطأنا السبيل، وعبرنا من جهة الضباب الى شبهة الاوطان، حيث كل شيء متنافر ومتباعد، وحيث كل حي يزفر روحه لكأنه يتمنى لو لم يولد في هذا الزمن العربي الردىء، وان يتمنى لو انه يموت ولا يقوم من موته وقد استحالت الاحلام الى كوابيس، ولم يبق من مفردات الوحدة والتحرير والاستقلال والسيادة سوى معاني فارغة لخريف يسلم عريه للربيع دون شتاء ولصيف متكاسل يستظل بأوهامه على قارعة الزمن الكئيب.ثم هااني اتمنى لو لا اقع في دائرة الكلام واصير استدعي الفكرة، فتهرب من يدي الى ان اجد فسحة من امل تهب من جهة او حلم او لمعة برق او طيف لزمن العطش. ثم ها اني ادخل الجمعية الاسلامية للتخصص والتوجيه العلمي من باب ابوابها على صهوة حلم يتحقق عاما بعد عام، فلا نحتاج معه الى خطاب معسول ولا نحتاج معه الى شهادة، فقد حصد الابناء الشهادات من حقول جامعات قريبة وبعيدة وعادوا محملين بسؤال: هل تكفي الشهادة لدخول باب الحياة من ثقب الابرة؟ ثم ها نحن عاما بعد عام، نواصل تفسير الحلم الذي بدأ مع طموح (رمال رمال) الى منحه منحة دراسية عليا. يومها بدأ السعي الى تفسير هذا الحلم، واستطاع رمال رمال ان يثبت انه اكثر من طالب متفوق – انه مخترع – وهكذا وحتى وفاته استثمر عليه الغرب فيما نواصل نزيف الادمغة من لبنان ومن كل العالم العربي، لأن نظامنا العربي والقطري لم يتحمل عباقرة متفوقين على محدوديته”.اضاف: “كان لحلم رمال حسنة كبيرة جدا هي تأسيس الجمعية الاسلامية للتخصص والتوجيه العلمي، التي لي الشرف بأن اكون احد اعضائها ونظارها وعاما بعد عام تجاوز عدد المنح التعليمية للدراسات العليا المقدمة من الجمعية منذ العام 1969 وحتى العام 2011 الالفين وخمسماية منحة وفق معايير التفوق في اختصاصات العلوم التطبيقية وايضا الحاجة، والاهم ان هؤلاء الطلاب تماما كما قال رئيسها الان ينتمون الى مختلف الطوائف والمذاهب والمناطق اللبنانية”.تابع: “عود على بدء الى حيث اختلقت المشكلة اليوم من الحلم بمنحة دراسية الى حلم بإيجاد فرصة عمل، وها نحن وامام المعضلة الوطنية الاصعب المتمثلة بإيجاد فرص عمل لشباب لبنان المتخرج من اربع واربعين جامعة ومعهدا للتعليم العالي فقط في لبنان وفقط في القطاع العام الذي لا زال لا يولد سوى وظائف قليلة، ولا يتجرأ فيه القيمون على ملء الشواغر في الادارة وفق شروط الانتقاء، وبالمقابل فإنه لا فرص واسعة في القطاع الخاص، لأن مطلبنا بتشكيل مجلس اعلى للتربية ينسق بين ناتج التعليم العالي وحاجات سوق العمل لم يتحقق حتى الآن. عاما بعد عام ولا يصبح وجه الوطن دافئا كما نحلم، ولا يجتمع شملنا مع ابنائنا الذين تغربوا ولازالوا يسلكون كل الطرق والوسائل الى اوطان الآخرين بحثا عن فرصة عيش وعن لقمة كريمة. وعاما بعد عام يستمر الوطن مكانا لتراكم الاخطاء وللتنكر للعقد الاجتماعي الذي توافقنا عليه بإسم اتفاق الطائف والذي لم ينفذ، ثم تأتي كل حكومة بعد الاخرى لتكون عطارا لا يمكن له ان يصلح ما افسده الدهر. عاما بعد عام وتستمر سحب الوجع تتجمع في سماء الوطن، لأننا لم ننتبه ولم نتنبه الى ان فرصة لبنان هي الاستثمار على شبابه الذي يحمل شهادات عليا على امتداد المساحة البشرية الجغرافية للعالمين الاسلامي والعربي، واللذين يحتاجان الى علم وخبرة وكفاءة الشباب اللبناني وشخصيته العبقرية”.وقال: “ان هناك فرصة للاستثمار على ما يزيد على مليار مسلم وعلى ما يزيد عن ثلاثماية مليون عربي، عبر توظيف معارف وعلوم ومهارات شباب لبنان دون ان يضطروا للتغرب والتجنس في اوطان بعيدة فنكرر تجربة البرازيل مثلاً بحيث ينسى الجيل الثالث لا بل الثاني انه لبناني. ثم اننا يوما بعد يوم نترك اسئلتنا حول مستقبل ابنائنا تدور كسبحة في الاصابع وتتصاعد الاسئلة اذا ما افتتح فرع للجامعة اللبنانية هنا او هناك: هل سيضم كل الاختصاصات ؟ هل سيكون لكل السنوات ؟ وطبعا تبقى الاجوبة معلقة في الفراغ، فإذا ما غادر ابناؤنا الريف الى المدينة تبدأ الواسطة من اجل السكن الجامعي وهكذا الى آخر العمر. كنت اقول على هذا المنبر: الان يمكن لروح رمال رمال ان تهدأ وهي ترفل فوق شبكة المؤسسات التربوية في الجنوب وبعض البقاع، ولكن رمال الذي مات في غربته يتحسر على ابنائنا الذين نرسلهم الى اصقاع العالم وهم يحملون شهادات عليا ودمغة: “صنع في لبنان”.اضاف: “ربما يقول قائل كيف تشتكي وانت مسؤول؟ اجيب: وهل تصفق يد واحدة واضيف: انه كلما تأخر لبنان في العبور من السلطة الى الدولة، والعبور من المسؤولية الطائفية والمذهبية والفئوية والجهوية عن احتكار التربية الى مسؤولية الدولة، كلما زاد الاغتراب وكلما زاد التباعد فيما بيننا والفرقة والانقسام، مما يؤدي الى التوتر وتراجع الاعمال والاستثمارات، واساسا تراجع عملية التربية وبقائها دون تحديث المناهج ومواكبتها للعصر وعالم الاجيال. لقد تجاوز الامر احياء الامل امام المتفوقين والمبدعين لاستكمال دراستهم ليأخذوا مكانهم تحت الشمس، الى ضرورة افساح المجال امامهم ليفتحوا ابواب المستقبل. ان هذا الامر يستدعي كذلك ضرورة اعادة احياء المجلس الاقتصادي الاجتماعي من اجل توليد افكار برسم الحكومة ومجلس النواب حول استيعاب فائض التعليم العالي من الشباب”.وتابع قائلا: “انني اذ اقدم عبر الجمعية الاسلامية للتخصص والتوجيه العلمي التهاني للخريجين خلال السنوات السابقة، فإني اتمنى لما يزيد عن ثلاثمائة طالب وطالبة يتعلمون حاليا على نفقة الجمعية في الجامعات الوطنية وفي الجامعات الاجنبية في فرنسا والمانيا وبلجيكا وسويسرا واسبانيا وايطاليا، اتمنى لهم النجاح وانجاز شهاداتهم بتفوق. لقد قدمت الجمعية من خلال خريجيها قوة بشرية كبرى الى نقابات المهن الحرة، خصوصا الطب العام وطب الاسنان والصيدلة والهندسة، وعلم الكمبيوتر والعلوم المالية والادارية والعلوم الاساسية من رياضيات وبيولوجي وكيمياء. اني ادعو هؤلاء الابناء بصفتهم النقابية الى العمل من اجل تحقيق المطالب الوطنية في ايجاد شبكة امان صحية، وفي الدفع بإتجاه التخطيط والتنظيم المدني، وفي جعل لبنان مركزا لعلوم الاتصالات العصرية وفي تعزيز الادارة الوطنية. كما ادعوهم لكي يأخذوا دورهم في مواجهة التحديات الوطنية، واول تحد هو تحدي مشاركة الشباب في كل ما يصنع حياة الدولة والمجتمع، عبر التحرك من اجل قانون عصري للانتخابات على اساس الدوائر الكبرى والنسبية، وخفض سن الاقتراع وقانون غير موسوم بالطائفية والمذهبية للاحزاب، ومواصلة التحرك الشبابي الذي اجهض قبل اشهر من اجل اتخاذ الخطوات الايلة لالغاء الطائفية بدءا بتشكيل الهيئة الوطنية لالغاء هذه والتي الطائفية التي نص عليها الدستور. اننا في ايامنا كنا نشهد فعلا متزايدا للحركة الطلابية كما للحركة النقابية، الا ان ما نلمسه اليوم هو محاولة تذويب كل حراك نقابي ومطلبي وشبابي في التوترات الطائفية والمذهبية والسياسية. انني ايها الخريجون ويا كل طلاب لبنان يا امل لبنان، ادعوكم الى تجاوز العصبيات الفئوية والمختلفة، والى كسب الوطن في نضال وطني يرتقي بالنظام السياسي نحو الدولة ، نحو النظام البرلماني الديموقراطي”.وقال:” وبعد فإني رغم واقع الحال المعبر عن الازمة الاقتصادية والاجتماعية القائمة والتي هي وليدة سياسات مالية واقتصادية معروفة زادت من ازمة ندرة فرص العمل وبالرغم من ازمة التربية التي زاد منها المنهاج المعروف الذي يحتاج الى اعادة نظر شاملة، الا انني اعبر عن بعض الرضى حول الاستقرار النقدي القائم وعن ان التغطية الذهبية للنقد الوطني والتي زادت قيمتها عدة اضعاف مما يقوي موقع لبنان المالي. وعلى المستوى الوطني كان لزيارة غبطة البطريرك مار بشاره بطرس الراعي الى جنوب الجنوب وقلب الجنوب وكذلك زيارة سماحة مفتي الجمهورية الدكتور محمد رشيد قباني الاثر الابرز في المرحلة الراهنة حيث تأكد للجميع ان كل جهات الوطنية يجب ان تكون لضمان سيادتنا ولردع العدوانية والاطماع الاسرائيلية وحماية الموقع الاستراتيجي الذي يمثله الجنوب وثرواتنا المائية والنفطية”.وقال: “ولأن لبنان يقع على خطوط تماس كل قضايا المنطقة انطلاقا من فلسطين الى سورية الشقيقة الى كل العناوين العربية، فإننا نؤكد على ضرورة تركيز الاولوليات على دعم اماني الشعب الفلسطيني بعد معركة الاعتراف وما آلت اليه وما ستؤول اليه. ان هذا الامر لا يعني اننا وتحت غطاء فلسطين يمكننا ان لا نقوم بتحديث نظامنا السياسي، ولكن ذلك يستدعي الانتباه الى ان الطموحات الاسرائيلية للتحول الى كيان ديني عنصري، والى التحول الى اسرائيل الكبرى اقتصاديا، تسير بخط متواز مع طموحات اخرى، ترى ان هناك امكانية للاستثمار على الوقائع العربية لفرض الشرق الاوسط الكبير او تحقيق طموحات امبراطورية اخرى”.اضاف: “إن التحديث والاصلاح او التغيير يجب ان يكون فعلا وطنيا وصناعة وطنية كما قال البطريرك هزيم، او ان المستقبل العربي سيتوه في مسالك الفوضى البناءة كما تهنا في مسالك ومهالك “سايكس بيكو” مطالع القرن المنصرم، وسنفتح ابواب اوطاننا امام الانتداب والحماية الاجنبية، وكذلك امام تشظي اوطاننا الى اسرائيليات عنصرية تقع بينها اسرائيل ككيان عنصري مضاء على تل”.اضاف: “عود على بدء الى هذه المؤسسة الوطنية التي اتكلت على الايادي البيضاء الناصعة الكريمة لتوجيه التحية الى المؤسسات العاملة في اطارها: مؤسسة سنابل لرعاية اليتيم، مؤسسة رعاية المسن، المنبر الثقافي، الهيئة الشبابية ورابطة الخريجين”.وختم قائلا: “اخيرا وقد اثبتت الجمعية الاسلامية للتخصص والتوجيه العلمي انها بذار طيب في الارض الطيبة ، فإن بذارها من الخريجين ومن افواج الطلاب الذين ينجزون اختصاصاتهم لا بد ان يكون فعلا ملموسا وان يخرج من الظل الى العلن، وان تتمكن الجمعية من ان تتفاخر على اقرانها بأنها فتحت ابواب التعليم العالي الموصدة امام ابناء من الطبقات المحرومة والمهمشة، وانها اخذت بيدهم الى الطريق الذي يؤسس لازدهار الانسان في لبنان. بكلمة مختصرة هذه الجمعية اعطت الامل لمن لا امل له”.وبعدها سلم الرئيس بري الشهادات التقديرية للطلاب المكرمين.ِ

هذه التدوينة نشرت في خطابات. الإشارة المرجعية.