كلمة الرئيس نبيه بري في حفل العشاء السنوي الذي يقيمه أصدقاء ابراهيم عبد العال

للنهر الذي تركض أفراس الماء بين حاجبيه منذ أن كان المكان والزمان،

للنهر الذي حفر في البحر قبراً ليواري عذوبته في ثرى الملح،

وللنهر المسحور الذي نلمسه ولا نحسه… يتزين أمام أعيننا كفرح عابر، فإذا اقتربنا منه أقام الدليل على الحزن.

ولنهر الليطاني، الذي يترقرق كصرخة وليد تذوب في الفراغ، الذي يحترق كقمر في ليلة الظلمة، ويتلاشى رماده كنثار الفضة في ذروة العاصفة.

وللنهر الذي انتبهنا إليه عندما وضع الإمام الصدر إصبعه على خاصرة عطش الأرض وعطش الناس، فانتعش يباس أضلاعنا، ولم نعد ننكر ملامحنا في مرآته.

ولإبراهيم عبدالعال الذي قرأ كف الأرض من بيروت العاصمة، وأشار إلى الخط الذي يؤدي إلى الخصب، وجاهر بالصوت حتى الموت،

لإبراهيم عبدالعال الذي ألمحه الآن يحرس بالماء باب الجنوب، ويطفئ هذا الحريق الشديد، يزرع في الأرض غصن الأمل، يرسم خارطة للزمان الجديد حقولاً من الورد فوق السهول، سنبدأ عصر الماء.

للبنان والجنوب، ولليطاني تزخرف هذا المساء بحكاية ابراهيم عبدالعال، الذي حمل روحه على كف الماء إلى أن انطفأ جسده، وبقيت وصيته المكتوبة بالبراءة: أن لا يبقى الليطاني مقيداً إلى معصم البحر، وأن نعلق عروة حقولنا بزر النهر، وأن نكتب أشجارنا ومواسمنا وفرحنا كما نشتهي.

إنه لشرف لي أن أرعى هذا اللقاء السنوي على اسم رئيس المهندسين العرب والكهربائي والباحث والدارس، ابراهيم عبد العال، خصوصاً أن اللقاء يقع غير بعيد عن احتفال العالم باليوم العالمي للمياه الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني والعشرين من آذار، في ظل مخاوف متزايدة من خطر إصابة مناطق واسعة من العالم من بينها مساحات عربية بالجفاف.

إنه، وإستناداً إلى أرقام البنك الدولي، فإن العالم يحتاج إلى ما بين ستماية إلى ثمانماية مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة لحل مشكلات المياه.

إن هذا الأمر يفترض أن يقابل بسياسة قطرية محلية وسياسة قومية لحل مشكلة المياه وسط ضغط إقليمي متزايد من تركيا على مياه الفرات، ومن إسرائيل على مياه الأردن ومصادر الثروة المائية في الجولان ومياه الليطاني والوزاني والمياه الجوفية في جنوب لبنان.

إنني أدعو إلى وضع هذه السياسة المالية والضريبية والخطط الخمسية المرسومة في هذا المجال تؤدي وظيفة في خدمة الدين العام وفي تقليص عجز الموازنة، الا أن ما نرمي إليه هو أن تجد الدولة الوسائل الضرورية للعب دورها في الحياة الإقتصادية.

إن الخطوة الأولى نحو هذا الدور للدولة تتضمنه كلمتي في إحتفال مماثل في المناسبة، ويكمن في الإجابة عن أسئلة طرحها ابراهيم عبدالعال أبرزها: ما هي حاجة السكان وطاقة إستهلاكهم من المياه والكهرباء؟

هل تنبت الأرض ما يكفيهم من القوت؟ هل نحن مفتقرون إلى توجيه زراعتنا وصناعتنا في خطة مرسومة؟ هل نحن سائرون إلى سياسة انكماشية لنعيش في عزلة إقتصادية أم نحن باحثون عن تغذيتنا بوسائلنا الخاصة؟

يجيب ابراهيم عبد العال بالقول: إن نهر الليطاني ذو إمكانيات وافرة تسمح بحل قضية المياه لثلث الجمهورية اللبنانية ما بين قضاء الشوف والحدود الجنوببية حلّاً كاملاً أكيداً، يجمع ما بين وفرة الماء وما بين أناقة الأسلوب الفني لجرها.

لقد وضع إبراهيم عبد العال جزءاً حيوياً من الدراسات، آمل في وضعها على طاولة الحكومة وأمام فخامة رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، الذي نعلق آمالاً عريضة على تبنيه لهذه الدراسات، ونكرر مطالبتنا باستكمال وتحديث الدراسات وبدء العمل الإنشائي على هذا النهر وفق تصاميم صحيحة، لأن العمل على غير برنامج شامل وتصميم عام سيؤدي إلى عدم تكافؤ الاكلاف مع إقتصاديات قوة النهر الإنتاجية.

إنني أوجه عناية الحكومة والوزارة المختصة إلى جملة المشروعات التي وضعها ابراهيم عبدالعال وأبرزها: ريّ سهل بعلبك من مياه اليمونة، ريّ سهل البقاع الجنوبي، ريّ السهل الساحلي بين صيدا وعكار، ريّ سهل عكار، ريّ سهل الهرمل- القاع.

إنني أعلم رغبة رئيس البلاد ورئيس الحكومة الأكيدة في إطلاق دينامية الإقتصاد اللبناني. إن هذا الأمر يبدأ بالكشف عن التراث الضخم للعبقرية اللبنانية التي تعبر عنها مشروعات  ابراهيم عبدالعال.

أيها السادة، لقد قرأت بتمعن كلام معالي وزير الموارد أواخر شهر آذارالمنصرم، وكلام المدير العام للتجهيز المائي والكهربائي بأن كميات المياه الموجودة في لبنان بالكاد تكفيه، وإن لبنان سيواجه عجزاً مائياً كبيراً في المستقبل.

إن هذا الكلام هو صحيح ودقيق إذا استمر البحر بشرب مياهنا، وإذا لم يتم إنشاء لجنة توعية عملية حول عملية ترشيد الإستهلاك، وفي المسألة الأولى، فإن لبنان في حاجة إلى سياسة قومية لموارده المائية وإلى تقييم علمي ودقيق للموارد المائية السطحية والتحت سطحية الحالية والمستقبلية لتغطية الحاجات الوطنية.

أيها السادة، إن ما يجب ألا يغيب عن البال وضع إطار علمي لحقوق الشعب اللبناني في المياه لمواجهة البعد المائي للأطماع الإسرائيلية، إنني أعود وأوجه عناية الجميع إلى أن إسرائيل واكبت ولا تزال إحتلالها وعملياتها العسكرية في لبنان ببرامج معلومات علمية مدبرة حول خصائص التربة، خرائط مفصلة حول المناطق الغنية بالمياه، خرائط تشير إلى عمق المياه الجوفية، معلومات تحدد نوعية المياه، إتصال أنظمة المياه السطحية والتحت سطحية.

إن إسرائيل التي حولت عملياً مياه الوزاني تعتبر الليطاني نهراً ضائعاً إستناداً إلى وصف أحد رؤساء أركانها رفائيل ايتان.

إن السيناريوهات والخطط الإسرائيلية لسرقة المياه اللبنانية قائمة وموجودة، وسبق لي في إحدى المناسبات ان كشفت عن البعد المائي لاجتياح إسرائيل لأرضنا في آذار 1978 وإلا ما معنى أن تتم تلك العملية التي لا نزال نعاني منها تحت عنوان عملية الليطاني.

لقد وجهت عناية اللجنة الوطنية لإحياء 14 آذار و 18 نيسان لوضع كتاب توثيقي حول الأطماع الإسرائيلية في المياه اللبنانية برسم الرأي العام اللبناني والعربي والدولي.

  كل الحالات، أعلم أن الحكومة لا تملك عصاً سحرية لتحقيق ما نصبو إليه دفعة واحدة، لكن ما نريده أن ترسم الحكومة إستراتيجية مائية مكتملة حالياً والمستقبلية، ووقف التعدي الإسرائيلي القائم عل مياهنا والتحدي الإسرائيلي المستمر، والذي ينطوي على نوايا تجاه مياه الليطاني ومياهنا الجوفية.

لقد بادرت كل من سوريا والأردن إلى عقد إجتماع، قبل أسبوع، للجنة المياه السورية- الأردنية، والتي بحثت في السبل الكفيلة بمواجهة أزمة المياه المنتظرة الصيف المقبل، وسبل تعزيز التعاون الثنائي ، واتفقتا على إحياء مشروع سد الوحدة على نهر اليرموك، والبحث عن مصادر لتمويل المشروع، وكذلك على تزويد الأردن بمياه يختزنها سد درعا.

إن لبنان، كما سوريا والأردن، معني برسم إستراتيجية عربية للمياه، سواءً لمواجهة حاجات السكان لمياه الشفة والريّ، أو لمواجهة الضغوط والخطط الإسرائيلية المتعلقة بالشرايين المائية للأنهر العربية: الأردن واليرموك والليطاني.

 إن جامعة الدول العربية مطالبة باعتبار المياه وكذلك السوق العربية المشتركة، أولويتين أساسيتين.

لقد تحركت البرلمانات العربية، ولا تزال، للعب دور الرافعة للعناوين، وإنشا وعي حول الأخطار التي تهدد بترول المستقبل، وأقصد  االمياه.

وفي كل الأحوال فإن ثروة لبنان المائية هي الأساس في بناء مستقبل يرتكز إلى عائد السلام المحلي المدعوم من الأشقاء وفي طليعتهم سوريا، لأن ثروة لبنان المائية، إضافة إلى كونها حاجة إنسانية، فإنها تشكل حاجة تشغيلية وحاجة إقتصادية.

 أيها السادة، وبفارق أسبوع عن الإنتخابات الإسرائيلية، فإننا نقول لأي حكومة إسرائيلية قادمة: إن لبنان سيواصل مقاومة إي أطماع إستراتيجية في أرضه ومياهه، وإن إسرائيل ستكون في مواجهة جملة لبنانية قصيرة وهي: الإنسحاب من دون قيد أو شرط.

إننا في لبنان، كما لن نفرط بمقاومتنا ولا بذرة تراب واحدة ولا بنقطة ماء واحدة، فإننا نؤكد تمسكنا بوحدة المصير مع سوريا سعياً لترسيخ سلام عادل وشامل تحت مظلة االقرارات الدولية. إن هذه الأسس يجب أن تكون واضحة ومفهومة ونهائية.

أخيراً، أشكر لجمعية أصدقاء ابراهيم عبدالعال الأستاذ محمد غزيري إقامتها لهذه المناسبة السنوية لهذا المقاوم الكبير الذي وضع كل غبقريته في تصميم مشروعات وطنية بالإضافة إلى رؤية يراها دائماً الشيخ موريس الجميل رحمه الله، مستشعراً الخطر على الإقتصاد الوطني، وكذلك الخطر الإسرائيلي المحدق بصفة خاصة بلبنان.

إن إبراهيم عبد العال إبن بيروت وقف حياته على دراسة ميدانية وأبحاث تشكل أساساً لصمود لبنان ولصمود الجنوب بصفة خاصة.

إن ابراهيم عبدالعال قضى شهيد أحلامه التي آن الأوان لنا لتفسيرها بما يخدم إزدهار الإنسان وقوة ومنعة لبنان،

عشتم عاش لبنان.

هذه التدوينة نشرت في الثروة المائية, خطابات الرئيس بري. الإشارة المرجعية.