كلمة الرئيس نبيه بري في مهرجان التبغ السنوي – الرادار

للامهات اللواتي يحفظن عن ظهر قلب طريق التبغ الى حقول الليل الخضراء.

للامهات اللواتي يجمعن موج البر في خيط الغلة واللواتي يكتبن صحو الصيف وطفولة الدواري والحساسين،

لأيديهن مرايا احلامنا ولنعس عيونهن الذي لا ينام ولعيونهن حدائق حياتنا،

لحقول التبغ التي تقع على مسافة وردتين من ساحة لقائنا السنوي،

لتلك الحقول التي تكتب وعدها بالمواسم فتبرق فيها الحكايات وترعد، ويمطر فيها القلق والشك كرات من نار فلا تزيح عن الوعد.

لرجل التبغ، لكم، لأياديكم الخضراء التي تعدو فيها افراس الانهر، وينابيع العيون بالحقيقة الخالصة

للفرح الذي يخذلنا كلما اقتربنا اليه، لابناء رجالكم ونسائكم الذين يمحون الوقت ليصبحوا كباراً ويزحموا الحياة،

لهذا اليوم، الذي اقرأ فيه اعترافي السنوي في حضرة المقاومين مزارعي التبغ واشهد على نفسي امامكم ان ساكون وفياً لتعبكم ومسؤولاً امامكم لا عنكم،

لهذا اليوم الذي يكتبني اليكم شوقاً لمحبتكم الغامرة التي تحمل نفسها من عكار الى رميش ومن البقاع الى عيتا الشعب،

لكم ايها الاحباء المطهرون بضوء الماء المعطر بأنفاس زهر الليمون ايها الساكنون في التعب والوجع والامل لكم جمعياً الف تحية وسلام، وبعد

مرة كل عام نلتقي لنقول كلاماً من القلب الى القلب وبين كل مرة ومرة حبل لقاء لا ينقطع حيث اتابع همسكم واحمل همكم، فلا يغيب عن ذاكرتي حضوركم الدائم على رأس جدول الاهتمامات، وهذا العام، سأقرأ فصلاً قليلاً من سيرة التبغ على مسمع الدولة للتأكيد على القناعة بأن هذه الزراعة هي احد تعبيرات الصمود الوطني وهي ايضاً احدى مقومات الاقتصاد الوطني، فهذه الزراعة عبرت عن اول تشكيل اجتماعي عكس نفسه نقابياً منذ منتصف العشرينات وقاد في تشرين الثاني 1930 سلسلة اضرابات متلاحقة ضد شركة الريجي الانتدابية رداً على قرار المندوب السامي اعادة العمل بنظام الاحتكار والغاء نظام الذي يقضي بحرية زراعة التبغ وتصنيفه والاتجار به، لقاء ضريبة التمغة، وقد شكل المجلس النيابي اللبناني آنذاك لجنة قابلت المفوض السامي وقدمت له عريضة تتضمن الدفاع عن اليد العاملة وحماية الزراعة، والدفاع عن حقوق اصحاب المعامل، الدفاع عن حقوق الرأسمال اللبناني في استثمار التبغ ايأً كان شكله، واخيراً المحافظة على حقوق الدولة في التصرف بالاموال التي تنتج عن هذا الاستثمار تصرفاً حراً ويبدو ان على المجلس النيابي الان حمل لواء اغلب هذه المطالب مجدداً مع الاسف بعد مرور ستين سنة وسبعين يوماً.

وتسجل الذاكرة اللبنانية، تاريخ انتفاضه مزارعي التبغ ضد الانتداب وقرراته الاحتكارية التعسفية، تلك الانتفاضة التي ابتدأت من بنت جبيل والتي سقط منها ثلاثة شهداء هم: مصطفى العشي ومحمد الجمال وعقيل دعبول. قبل ذلك كانت للمرحوم غبطة البطريرك عريضة مواقف مشهودة في الدفاع عن المزارعين عبرت عنها رسائله وحركة الموفدين من اساقفه وكهنة وصولاً الى برقيته الى وزارة الخارجية الفرنسية في 19 كانون الاول 1934، التي عبر فيها عن حالة الاستياء المقرونة باليأس لدى المزارعين من سياسات الاحتكار للمطالبة بترك الحرية في مجال زراعة التبغ قائلاً، وقد رأينا من واجبنا القيام بهذه المهمة ظناً منا بمستقبل شعبنا الذي تمثل زراعة التبغ والاتجار به آخر موارد عيشه.

وبعد، الاستقلال لم يسلم المزراعون، ولا زراعة التبغ من ظلم الاقطاع وازلامه وكانت المطالب تواجه بالقمح وكانت المأساة كما صورة المشهد الذي عبر عنه الامام الصدر بقوله: مزارع التبغ هو بائع المحاصيل الوحيد في العالم الذي لا يحق له ان يتكلم، تفرض عليه الكمية، والنوعية، والسعر وتتحكم فيه الريجي، وتحتقره، وتصنفه بدل ان تصنف التبغ لكي يلجأ الى المقصود اما اذا طالب بحقه دون وساطة فجزاؤه الطرد والحرمان وفي بعض الحالات الرصاص…

هكذا كان الامر عندما انتفضت بلدة حانين ثم في انتفاضه عام 1973 حيث سقط حسن حايك ونعيم درويش شهيدين برصاص السلطة آنذاك.

بعد ذلك وعندما انطلقت مرحلة الوفاق الوطني تغير النهج وتغيرت الادارة من ادارة احتكارية الى ادارة ذات منفعة عامة مشتركة لحصر التبغ والتنباك، وفي بداية عهد الرئيس الهرواي حضرت ادارة الريجي لتطلب وساطة لتأمين سلفة لدفع المعاشات بعد ذلك اصبحت تعطي 270 مليار ليرة لبنانية للخزينة.

وحول قرار الضريبة على الدخان قال: كل يوم نقع على اخبار تهريب، حتى صدقوني انهم اكتشفوا عصابة تهريب داخل سجن رومية فيها اكثر من 20 مليون ليرة لبنانية داخل السجن وهي مهربة داخل السحن.

وكما لم تحقق الخزينة العائد المتوقع في الاسباب المحددة لرفع الرسوم الجمركية على التبغ ومنتجاته فإن ادارة الريجي وقعت في عجز قدر بواحد وعشرين مليار ليرة بدل ان ترفع عائداتها الى تسعة واربعين مليار ليرة لو لم يتم رفع هذه الرسوم.

اين الصواب في الامعان في هذا القرار، كتلة التحرير والتنمية عبرت في مناقشة الموازنة مراراً وخاصة على لسان النائب علي حسن خليل بصراحة عن هذه التخوفات وهي تريد فعلاً ودائماً ان تتعاون وتؤازر الحكومة في كل ما هو صواب فأين الصواب بالامعان في هذا القرار؟ وايضاً لمصلحة من خلق محميات وامبراطوريات للتهريب في وقت نعمل فيه جميعاً لتأكيد الثقة بالدولة، ونعلن فيه جميعاً تأكيدنا على ترسيخ دولة القانون والمؤسسات.

لذا توجه من هذا الاحتفال المهيب لاهيب بالحكومة والوزير المختص مفنداً نتائج قرار رفع الرسوم بعد مرور اربعة اشهر من تاريخ صدوره، ما هي هذه النتائج، كمية المبيعات انخفضت من السجائر المستوردة عن المعدل الوسطي للسنوات الماضية بحوالي 232 الف صندوق اي ما نسبته حوالي 59 بالمئة من المبيعات، اما عائدات الجمارك فارتفعت عن المعدل العام للسنوات الماضية 1,5 مليون ونصف دولار اي ما نسبته 4 بالمئة اي الجمرك ربح 4 بالمئة عن السنوات الماضية بنفس المعدل بينما 59 بالمئة لم يقبض، انها مثل تجارة جحا بالبيض عائدات الادارة انخفضت حوالي 18 مليون دولار اي ما نسبته 180 بالمئة. ان الرسوم الجمركية، الحمد لله هي للدولة والريجي ايضاً للدولة اذاً اذا جمعنا الاثنين كي نرى حصة الدولة من هذا الامر حصة الاب والام التي هي الدولة ما هي؟ تكون النتيجة الاجمالية انخفضت عائدات الدولة الاجمالية 16,5 مليون دولار اي ما نسبته 33 بالمئة خلال اربعة اشهر هذه ارقام نقدمها خلال 4 اشهر والجواب نعم، نعم، نعم وكأنك  تتكلم مع بئر ويعطيك صداه.

ترى هل هناك نية مستمرة لتصفية الزراعات التبغية، او لاعادة اخضاعها لانتداب الاقطاعيات والمرجعيات؟ اطرح هذا السؤال من موقع الملاحظة انه حينما كانت ادارة الحصر شركة مستثمرة تتقاسم الارباح مع الدولة كانت الرسوم لا تتعدى 6 بالمئة، لما كانت ادارة الريجي امتيازاً للفرنسيين وكان للدولة شركة لم تتعد الرسوم ال 6 بالمئة وعندما اصبحت شركة وطنية واصبحت عائداتها كلها للدولة ارتفعت من 6 الى 25 الى 40 الى 54 ثم اخيراً الى 138 بالمئة لتصبح عاجزة عن تأمين متطلباتها وخاصة شراء المحصول. غير معقول انا متأكد ان الحكومة نيتها حسنة ولكن اعتقد ان النوايا الحسنة موجودة في اماكن في بعض الاحيان يجب ان لا تكون موجودة.

وتابع الرئيس بري: اطرح هذا السؤال والوقائع انطلاقاً من عدم مبادرة الحكومات المتعاقبة الى:

1ـ تنظيم قطاع زراعة التبغ والتنباك

2ـ عد وضع مشاريع تحديث الصناعة الوطنية، للسجائر للمعسل، وحتى للسيجار الذي اجرينا مباحثات بشأنه مع الحكومة الكوبية لوضعه موضع التنفيذ وكانوا على اتم الاستعداد لهذا الامر، اخذت الحكومة الكوبية برئاسة الزعيم الكوبي فيدال كاسترو توجهاً لجعل لبنان مركزاً لبيع السيجارة في الشرق الاوسط. ولكن نتيجة الضرائب والمواقف التي اخذت الان، تجمدت الامور.

اطرح هذه الملاحظات من موقع الخوف من ان يكون المقصود هو ايصال ادارة حصر التبغ والتنباك الى موقع الخسارة لتبريد خصخصتها.

واوجه عناية الحكومة الى كل ذلك لان ادارة التبغ كانت تغطي فائضاً لا يقل عن 45 مليون دولار للخزينة وهو الامر الذي شجع الادارة ان تطرح في السابق استعدادها في حال وافقت الحكومة لتمويل مشروعات انمائية خصوصاً الهرمل وعكار وبعلبك. ادارة الريجي من انتاجها كان بامكانها تمويل مشاريع انمائية في تلك المناطق الواقعة بالحرمان كل ذلك في كفة، وفي الكفة الثانية يبقى السؤال لماذا تحميل المواطنين المستهلكين للتبغ تبعات مالية اضافية بموجب مرسوم زيادة تصل الى مئة وخمسين مليار ليرة لبنانية سنوياً او دفعهم باتجاه المهربين بحثاً عن السلعة التبغية الارخص وطبعاً سوف يذهبون للمهربين.

واخيراً في مسألة التبغ يبقى، ان نعترف ان التجاوب مع مطالبتنا باعطاء اسعار تشجيعية للزراعات التبغية اعاد لشتلة التبغ معناها كرمز للصمود الوطني وخصوصاً في المناطق اللبنانية التي تحتلها اسرائيل وفي مناطق التماس وادى هذا الامر الى زيادة القوى العاملة في هذه الزراعة، والعائلات المستفيدة، والى اخفاق السياسة التي اتبعتها اسرائيل في محاولة لجذب اليد العاملة اللبنانية الى خلف خط الحدود الدولية.

وقال الرئيس بري: بصفتي الشخصية، والتنظيمية، والرسمية، وباسم كتلة التحرير والتنمية، وباسم زملائي نواب المناطق المحرومة عكار، والبقاع والبترون حيث تنتشر الزراعات التبغية اطلب من الحكومة وبسرعة مراجعة قرار زيادة الرسوم ونتائجه وكذلك المطالب التي تقدمت بها الادارة والنقابات وخصوصاً تعزيز الصناعات الوطنية والتبغية.

وطالبنا دائماً، وصدر قرار ان يشمل الضمان الاجتماعي مزارعي التبغ وصيادي الاسماك، صدر القرار ليس من اليوم، المشكلة في لبنان لم تكن ان تصدر قرارات، المشكلة دائماً ان تنفذ القرارات، طالبنا دائماً وصدرت قرارات ان يشمل الضمان الاجتماعي مزراعي التبغ، فلماذا لم يفعل معالي وزير العمل والشؤون الاجتماعية في كتلة التحرير والتنمية، هذا الموضوع فعلاً ليس مزحاً، يتوقف عليه اشياء كثيرة، نريد موقفاً، الحكومة او الخزينة غير قادرة فلتقل لدينا الحل واذا كانت قادرة نأمل ان يطبق هذا الامر قبل نهاية العام 1999، عيب ان نصل الى الالفية الثالثة واهلنا، والذين لولاهم لسنا موجودين لا هنا ولا في بيروت ولا في اي منطقة، اهلنا الصابرون الصامدون المرابطون عيب ان يكون واحد منهم غير مضمون، عيب ان يبقى الشأن الصحي في لبنان على هذا الشكل، مزراعي التبغ، صيادي الأسماك. يا اخوان احد صيادي الاسماك وقبالة شاطئ صور اعترضته الزوراق الاسرائيلية على متنها وبدأوا برمي الصياد بشوك الصبار على وجهه واذا بالصياد عائداً الى اليابسة مثل القنفذ، من يعالج هذا الصياد وينزع من جسده شوك الصبار هذا ليس مضموناً، ما من يوم انتقدنا الحكومة الا لمساعدتها، اذا الحكومة غير قادرة لهذه القصة اقول نحن على اتم الاستعداد لانشاء صندوق تعاضد من النقابات الثلاث في البقاع والشمال والجنوب حيث يتحملون جزءاً يسيراً ويكون لادارة الريجي المساهمة الكبرى من خلال اسعار التبغ، ونحن عندها مستعدون لتأمين هذا الامر، اذا الحكومة مستعدة للتعاون حتى في هذا الامر نحن حاضرون، لكن لا يجوز ان تبقى الامور على هذا الشكل، الضمان هو البديل من البقاء على رصيف الانتظار.

اضاف الرئيس بري، ولأننا في عرس التبغ، وفي عرس من اعراس الفلاحين المقاومين، ومن على منبر الجنوب اتطلع بأسف الى التهالك العربي الحاصل على خلفية الانتخابات الاسرائيلية، واصدق ان الحقيقة هي اعتماد المستوى السياسي الاسرائيلي على ان العرب لا يقرأون وبت اصدق ايضاً انهم كذلك لا يسمعون، ولا يرون والا فما معنى هذه المصافحات في وقت تمعن فيه اسرائيل في احتلالها، وفي تهويد القدس وفي الاعتداءات على جنوب لبنان، لقد سارعت الكثير من العناوين العربية الى تجاوز الوقائع على مختلف المسارات قبل اغتيال رابين ثم تنبه بعض العرب الى ان هذا الاغتيال هو اعلان قوي بأن المجتمع الاسرائيلي غير ناضج للسلام، ثم سقطت مواقع عربية امام ديبلوماسية شمعون بيريز الناعمة قبل ان  تغدر اسرائيل بكل الآمال المعقودة على السلام انذاك، وتطلق عملية عناقيد الحقد ضد لبنان، وترتكب مجازر المنصوري والنبطية وسحمر، وقانا، واليوم يغمض العرب عيونهم، ويصمون اسماعهم ويمحون ذكراتهم، ويبدأون من جديد وكأن الصراع العربي-الاسرائيلي هو وليد اللحظة، وكأن مسألة القدس وعودة اللاجئين وجنوب لبنان والجولان والاراضي العربية هي عناوين بسيطة يمكن القفز فوقها لتطبيع العلاقات مع اسرائيل.

نقول للعرب ان السلام يولد من تطبيع العلاقات العربية مع بعضها البعض، السلام لا يولد من تطبيع العلاقات العربية- الاسرائيلية بل من تطبيع العلاقات العربية- العربية ومن رفع درجة التضامن والعمل العربي المشترك. ان صياغة تسويات وانشاء علاقات بالقفز فوق حقائق الصراع هو الامر الذي يولد العنف طيلة السنوات الستين السابقة، وهو الامر الذي مكن اسرائيل من تجزئة الصراع وادارته، ويمكنها اليوم من ادارة وتجزئة التسوية بشروط الترتيبات الامنية الاسرائيلية.

ونقول لاشقائنا، قبل اصدقائنا واعدائنا، ان السلام هو حاجة سورية-لبنانية، ولكن ما نريده هو السلام العادل والشامل المبني على القرارات الدولية والذي يؤدي الى الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الاراضي اللبنانية جون شروط، والانسحاب المماثل الكامل من الجولان حتى حدود الرابع من حزيران 1967، ومنح اللاجئين الفلسطينيين حق العودة وحل مسألة القدس.

اننا على المستوى اللبناني، سنبقى متمسكين بالمقاومة، ونرفض كل محاولات وصمها بالارهاب، فهناك   مسافة كبيرة بين حق شعبنا في المقاومة، وارهاب الدولة في اسرائيل. كما ان وحدتنا الوطنية الراسخة، ووحدة المصير المشترك مع المقاومة يشكلان الاقانيم الثلاثة الثابتة لمواجهة خيارات المستقبل.

وختم الرئيس بري كلمته: ايها الاخوة والاخوات، يا ابناء الارض المخلصين، ايها الفلاحون الصابرون الصامدون انكم معنيون غداً بصياغة قانون اللامركزية، وبصياغة قانون الانتخابات، فلا قوانين تبنى على حساب المستقبل، وعلى حساب الاندماج والوحدة الوطنية.

ان فخامة رئيس الجمهورية العماد اميل لحود الذي قدم انموذجه من خلال توحيد المؤسسة العسكرية، ومن خلال صهر عناصرها في بوتقة وطنية، هو مع لبنان الكبير، الموحد ارضاً وشعباً ومؤسسات، ولن يقف الا في صفكم، كما انه لن يألو جهداً لدعم وتعزيز صمودكم في ارضكم وزيادة المساحات الزراعية تحقيقاً لازدهار الانسان في لبنان.

عشتم وعاش لبنان

هذه التدوينة نشرت في خطابات الرئيس بري, دعم شتلة التبغ. الإشارة المرجعية.