كلمة الرئيس نبيه برّي في جلسة افتتاح المؤتمر الدولي لدعم الانتفاضة في ايران

” بداية اتوجه بالشكر الجزيل الى الجمهورية الاسلامية الايرانية لدعوتها لعقد هذا المؤتمر الدولي لدعم انتفاضة الشعب الفلسطيني.

وهذا الامر هو جزء من رسالة مؤسس الجمهورية وملهمها الامام الخميني العظيم ( قدس سره ) الذي بادر فور انتصار انتفاضة الشعب المسلم في ايران على نظام الشاه البائد الى اعلان يوم الجمعة الاخير من رمضان يوماً للقدس، من اجل استنهاض همة المسلمين للجهاد من اجل تحريرها من براثن الغاصب الصهيوني.

ان الشعب الفلسطيني المجاهد يعلق امالاً كبيرة على هذا المؤتمر، وقد ملّ عبارات الاستنكار والادانة التي لن توقف الجرائم الإسرائيلية، وعبارات التأييد للانتفاضة، وهي لا تداوي جريحاً ولا تواسي شهيداً ولا تطعم الجماهير الفلسطينية المحاصرة في المدن والبلدات والقرى الفلسطينية.
ان الشعب الفلسطيني ينتظر بالطبع الوسائل التي سيتيحها هذا المؤتمر لدعم انتفاضته.

انني قبل ان اقدم مساهمتي ببعض الافكار في هذا المجال، اود ان اقدم للسادة المؤتمرين وجهة نظر ارى من المفيد عرضها، حتى لا يبقى في داخل أي منا أي تردد، حول ان طبيعة الصراع مع إسرائيل قد حسم على انه صراع وجود، وان امكانيات التسوية قد تلاشت امام جملة المراسيم الحاخامية التي تفرض سلوك المستوى السياسي الإسرائيلي.

كمسؤول قدت افواج المقاومة اللبنانية ” أمل ” التي اسسها الامام القائد السيد موسى الصدر منذ عام 1980 وحتى تحرير معظم الاراضي اللبنانية ومن خلال مدرسة الامام الصدر التي تعلمت منها، ومن خلال خبرتي وتجربتي فانني اليوم واكثر من أي يوم مضى اؤكد ان الإسرائيليين كلهم او في معظمهم يعتنقون تصور الاصولية اليهودية الجذري والعدائي للعلاقة بين إسرائيل وسائر بلاد العالم.

ان صورة إسرائيل اليوم هي الصورة التي يمثلها آرييل شارون الذي يقف على رأس المستوى العسكري والسياسي في إسرائيل والذي يعبر عن الاتجاه الاكثر تطرفاً لإسرائيل بشكل عام، إسرائيل المنغلقة فكرياً، إسرائيل الاستيطان، إسرائيل العدوانية.

ان آرييل شارون كعنوان لإسرائيل يعبر عن تمكن الفكر الاصولي الصهيوني من ارساء نظام متماسك ينطلق ليس من التنكر للاتفاقات المجحفة التي تم التوصل اليها مع الفلسطينيين، بل من الغاء هذه الاتفاقات واعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية، والتأكيد ليس على ضم القدس نهائياً وانما ضمان ضم الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان الى إسرائيل.

اني ادعو الجميع الى بناء استراتيجيتهم لمواجهة إسرائيل ليس على اساس ان هناك انقلاباً تصحيحياً قد حصل لصالح الصهاينة الأصوليين الذين يطرحون فكرة ” ملخوت يسرائيل ” أي اعادة السلطة الى بيت داوود على ارض إسرائيل الكاملة والذين يتبنون فكرة اعادة بناء الهيكل مكان المسجد الأقصى.

انكم ايها السادة المؤتمرون سوف تلمسون قريباً ان خطوات حكومة شارون ستتبع الخطوات التالية :

أولاً : التنفيذ الكامل لخطة الفصل، بما سيؤدي حتى ولو توقفت الانتفاضة الى خنق اقتصادي للمناطق الفلسطينية، عبر تضييق سبل العيش واغلاق فرص العمل امام الفلسطينيين.
ثانياً : تجميد المفاوضات مع الفلسطينيين وطي خرائط الانسحابات التي كانت مطروحة من أي نسبة من الاراضي الفلسطينية.
ثالثاً : التركيز على سياسة الاستيطان الحازم في اشد المواقع حساسية حول القدس.

احببت ان اوجه انتباهكم الى ماتقدم من اجل ان اؤكد لكم ان الاجماع الإسرائيلي الذي تحقق لا يعبر عن نفسه بقيام حكومة شارون التي تضم حزبي الليكود والعمل ومعهما شاس وغيرهم فحسب، وانما يعبر هذا الاجماع عن نفسه بالتأكيد ان المجتمع الإسرائيلي لن يكون الان او في المستقبل ملائماً او قابلاً بأية تسوية، وطبعاً لن يعترف بحق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

ان إسرائيل جادة في تحديد هدفها بتجريد الفلسطينيين الرسميين في اطار السلطة او الاخرين الذين يقفون خارجها من سلاحهم.

انني هنا لاؤكد لاخوتي الفلسطينيين ان إسرائيل سوف تتراجع كذلك عن معاملة عرب فلسطين في الاراضي المحتلة عام 1948 ولو كمواطنين من الدرجة الثانية.

وانني احذر من ان إسرائيل سوف لا تبذل جهوداً فقط من اجل تحويل الحلم الفلسطيني باقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع الى كابوس، بل ان سلطة القرار الإسرائيلية ستتجاوز في تطبيق سياسة القهر على الفلسطينيين في الاراضي المحتلة عام 1967 الى الاراضي المحتلة عام 1948.

ان النظرية الإسرائيلية حالياً في التطلع الى ابناء الشعب الفلسطيني في الاراضي المحتلة عام 1948 تنطلق من قاعدة حسابية إسرائيلية تقول ” اذا اردنا الحؤول دون سفك الدماء سفكاً متصلاً، فليس ثمة الا حل واحد وهو نقل سكان ارض إسرائيل من العرب الى الدول العربية “.
هذا على المستوى الفلسطيني، اما على بقية المستويات او المسارات كما يحلو لاي منكم ان يصفها فاني اوجه عنايتكم:

أولاً : لقد رافق سقوط حكومة باراك وانتخاب شارون ظهور اصوات في إسرائيل تطالب بضرب السد العالي.

واوجه ملاحظة الجميع الى ان جميع المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والامنية الإسرائيلية، تعتبر انها فشلت في تحييد دور مصر في العالمين العربي والاسلامي. وبالتالي فان إسرائيل عادت لتتطلع الى مصر كعدو، وهي تقوم باعادة تشكيل جبهتها الجنوبية وتنظر الى احداث الانتفاضة في قطاع غزة على انها امر يمثل خط تماس مع مصر.

ثانياً : ان إسرائيل ورغم اعلانها الانسحاب من الاراضي اللبنانية وفق القرار 425، فان إسرائيل لم تلغ من ادبياتها ولم تسقط من مشروعها الايديولوجي اطماعها في لبنان.

لقد قامت إسرائيل بحملة تحريض واسعة بهدف تحميل لبنان المسؤولية عن أي حركة عسكرية عدواني إسرائيلية. وقامت كذلك باطلاق المزاعم عن امتلاك المقاومة لصواريخ بعيدة المدى واسلحة هجومية متنوعة تستهدف امن الشمال الإسرائيلي . كما يقولون وصلت الى لبنان من ايران عن طريق سوريا.

وهكذا فإن العدوان الإسرائيلي الجوي الأخير الذي استهدف لبنان وسوريا في لبنان لم يكن رد فعل على عملية للمقاومة، فالمقاومة هي نتيجة للاحتلال وستبقى ما بقي الاحتلال، وقد سبق لها ونفذت عمليات في مزارع شبعا وستتابع ذلك . لقد جاء هذا العدوان عن سابق إصرار وتصميم لإرباك النظام العام في المنطقة ولبنان وعلى وجه الخصوص عبر الإيحاء باستعداد إسرائيل للعودة بلبنان إلى أجواء الفتنة.

كما حملت إسرائيل عدوانها رسائل عديدة منها : انها تستهدف قطع الطريق على تعزيز قوة المقاومة، وقطع طريق محاولة تطبيع العلاقة بين سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة التمسك بالثوابت العربية.

ان إسرائيل تريد التوصل الى غاية استراتيجية اخرى عملت من اجلها خلال اجتياح عام 1982 للاراضي اللبنانية، وهي كسر المبادرة السورية المستمرة تجاه لبنان وهي المبادرة التي مكنت لبنان من:

1 ـ وقف النزيف الداخلي الذي تمثل بالحرب الأهلية.
2 ـ تمكن لبنان من السير خطوات ثابتة نحو صنع سلامه الداخلي وبنائه واستعادة الدولة وبناء الثقة بالدولة .
3 ـ توحيد لبنان ومقاومته التي تمكنت من دحر الجيش الإسرائيلي .

ان هناك هدفين إسرائيليين متلازمين هما : الوصول الى فك وحدة المسارين اللبناني والسوري واطلاق نشاط ديبلوماسي دولي ضاغط على لبنان، لنشر الجيش اللبناني في المنطقة الحدودية في اطار وظيفة اقليمية تهدف لجعل هذا الجيش حارس حدود لإسرائيل.

ان المسعى الإسرائيلي سينصب على سحب سلاح المقاومة، وبالتالي جعل الجنوب اللبناني مجدداً ساحة مكشوفة عسكرياً.

بالمقابل، فان المصلحة الاسترتيجية اللبنانية العليا هي التمسك بالمبادرة والدور السوري في لبنان لان سوريا تمثل حاجة وضرورة لبنانية ملحة وعنصر التوازن اللبناني مقابل:

أ ـ استمرار الاحتلال الإسرائيلي لاجزاء عزيزة من الاراضي اللبنانية عنيت مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.
ب ـ مواصلة إسرائيل خرق المجال الجوي والبحري للبنان.
ج ـ استمرار إسرائيل في احتجاز حرية المعتقلين والمسجونين اللبنانيين.

ان سوريا تمثل حاجة لبنانية. اما على المستوى السوري فلا حاجة للقول ان إسرائيل تتنكر لحق سوريا في استعادة ارضها المحتلة حتى حدود الرابع من حزيران.

ان إسرائيل تركز بصفة خاصة على بناء الجمهورية الاسلامية الايرانية لقوتها الذاتية، وتحاول ان تولد موقفاً دولياً مناهضاً لعملية تحديث التسلح الايراني. ان إسرائيل ترى في مواقف الجمهورية الاسلامية الايرانية في السلاح الايراني خطراً عليها. ان إسرائيل تريد اقصاء الدعم الايراني المستمر للمقاومة في لبنان وفي فلسطين.

اذن، وكما نلمس، فان إسرائيل تحاول تفكيك جبهة المقاومة والممانعة الممتدة من فلسطين الى لبنان وسوريا والجمهورية الاسلامية، ان هذه الجبهة وحدها تشكل المانع امام تشكل إسرائيل الكبرى.

اني اقدم الاقتراحات الآتية: ان المطلوب دعم انتفاضة الشعب الفلسطيني، وان الشعب الفلسطيني يعاني اشد المعاناة .

انني ادعو الى :

1 ) انشاء صندوق لدعم حاجات الشعب الفلسطيني الملحة من التبرعات الشعبية، لأن صناديق الحكومات كما أكدت التجربة اللبنانية من خلال القمم العربية هي مع الاسف شيكات من دون رصيد.
2 ) العودة للعمل بميثاق منظمة التحرير الفلسطينية واعتبار الكفاح المسلح خياراً ايضاً.
3 ) قيام جميع الدول الاسلامية بقطع كل انواع العلاقات مع إسرائيل.
4 ) تجديد العمل، ليس على مساحة العالم العربي فحسب، بل على مساحة العالم الاسلامي بمقاطعة كل الشركات التي تتعامل مع اسرائل.
5 ) تخصيص برامج اعلامية للانتفاضة.
6 ) قطع العلاقات مع كل دولة، حتى اذا كانت اجنبية، تحاول نقل سفارتها الى القدس الشريف.
7 ) ادعو لعقد اجتماع طارىء لاتحاد برلمانات دول منظمة المؤتمر الاسلامي.
8 ) اطلاق تحرك دولي لمنظمات حقوق الانسان.

اخيراً، اننا في ” أمل ” كنا دائماً منحازين لكفاح الشعب الفلسطيني البطل بمواجهة إسرائيل. واننا اليوم اكثر من أي وقت مضى، نتمسك بما قاله مؤسس الحركة الامام السيد موسى الصدر ” القدس تنادي “، ان شرف القدس يأبى ان يتحرر الاعلى ايدي المؤمنين.

 

هذه التدوينة نشرت في خطابات. الإشارة المرجعية.