كلمة الرئيس نبيه بّري في افتتاح مؤتمر “مشروع تعديل وتحديث قانون البلديات”

بداية  اشكر لنقابة المهندسين في بيروت تشريفي برعاية هذا المؤتمر ، الذي يتناول موضوعا”  أساسيا” من مواضيع الساعة في لبنان ، هو مشروع تعديل وتحديث قانون البلديات .

واود  في البداية ان انوه بهذا الانتباه من قبل النقابة الى موضوع يتصـل بنشر وعي حول  المعايير الضرورية لصنع وبناء السلطة المحلية ، والمعايير الضرورية لأشخاصها وفي  طليعتهم المهندس الذي يملك وحده التصميم والمخطط لصورة لبنان غدا”  .

ومن  جهتي ورغم انحيازي المطلق الى جانب العمل النقابي والنقابات، خصوصا” النقابات  المهنية المتخصصة او المختصة بالقطاعات المتنوعة وفي الطليعة نقابات المحامين  والمهندسين والأطباء وغيرها، والنقابات المنطوية في إطار الاتحاد العمالي العام ،  الا ان ما دفعني الى رعاية أعمال هذا المؤتمر هو انعقاده في اللحظة المناسبة من قبل  النقابة المناسبة ، وبهدف حث الرأي العام على اختيار المجالس البلدية المناسبة على  قاعدة وجود الكفاءات المناسبة وخصوصا” المهندسين ، الذين يعون تماما” معنى التخطيط  والتنظيم المدني وحماية اثر وتراث كل مكان .

وكذلك  لأن هذا المؤتمر يمثل منبرا” ديموقراطيا” متمما” لسلسلة ورش عمل وندوات ومؤتمرات  ودراسات وابحاث حول العمل البلدي في لبنان وسبل تطويره على ضوء الانجازات والعوائق  والتحديات .

وفي  هذا الإطار لا بد من توجيه عناية المشاركين في هذا المؤتمر الى المساهمة المفتوحة  والمستمرة التي أتاحها مجلس النواب بالتعاون مع مشروع برنامج الأمم المتحدة  الإنمائي بهدف صياغة قانون عصري للبلديات، وان كنا في هذه المهمة ولا نزال ننطلق من  اللامركزية الإدارية

باعتبارها المدخل للتنمية البلدية ، وباعتبار ان اللامركزية الإدارية والتقسيم  الإداري وقانون البلديات وقانون الانتخابات تمثل بعضها مع بعض خيارات مترابطة ،  وفصل كل عنوان على حده يؤدي تارة الى وضع العربة امام الحصان وتارة الى جعل السائس  او الناخب يحمل إما الحصان وإما العربة ، وتارة نجعله يسير الى جانب الحصان والعربة  ، لذلك انعقدت في مجلس النواب اعتبارا” من تموز 2002 وحتى اليوم سلسلة من ورش العمل  والندوات تناولت :

 – واقع  العمل البلدي في إطار اللامركزية

 – اللامركزية  الإدارية والتنمية البلدية

 – موقع  مجالس الاقضية واتحاد البلديات من اللامركزية الإدارية

 – اللامركزية  الإدارية من منظار اقتصادي – اجتماعي

وقد  قصدنا من هذه المهمة بث وعي وطني حول أهمية السلطة المحلية المتمثلة بالبلديات ،  وصياغة توجهات عامة لرسم معالم سياسة وطنية في مجال العمل البلدي وتطبيق اللامركزية  الإدارية .

وقد  أكدت سلسلة هذه الأنشطة على ان المبادئ العامة التي يجب ان تحكم العمل البلدي  تنطلق من :

 – اعتبار البلدية الخلية الأساسية في البلاد ونواة الإدارة المحلية اللامركزية في  لبنان .

 – واجب السلطة المركزية التدخل لتحقيق العدالة والمساواة وضمان المصالح العامة  الحياتية ، مما يستدعي تعزيز حضور الدولة الإنمائي في المناطق .

 – ضرورة تحقيق مشاركة المواطنين على الصعيد المحلي في إدارة شؤونهم الذاتية  وبالاستقلال عن السلطة الإدارية المركزية .

 – الانتخاب هو الوسيلة المثلى لتحقيق الديموقراطية، وهو الضامن الأكبر لاستقلال  الهيئات والمجالس المحلية اللامركزية عن السلطة المركزية، والعلاقة بين اللامركزية  والديموقراطية هي علاقة عضوية .

 –  ضرورة تخفيف الرقابة الإدارية على أعمال البلديات ، بحيث تكون قراراتها نافذة دون  الرجوع الى السلطة التنفيذية .

 –  توفير الامكانيات المالية للبلديات كي تتمكن من الوفاء بالمسؤوليات الملقاة عليها ،  لأن الصلاحيات دون الامكانيات الموازية لها ، لا تؤدي الى النتائج المرتقبة .

 – عدم  المس بحقوق البلديات من قبل الإدارات المركزية ، وضرورة حماية استقلالية البلديات  وعدم اعتبارها تابعة للسلطة التنفيذية .

 –  إيجـاد توازن مقبول بين صلاحيات السلطة المركزية والسلطات المحلية ، بما يضمن وحدة  الدولة ووحدة مؤسساتها ، بحيث لا يؤدي توزع القرار خارج السلطة المركزية الى تفكيك  هذه السلطة .

 –  اعتماد الواقعية في معالجة المسائل القانونية والإدارية والاجتماعية الشائكة ، أي  الاخذ بالاعتبار مجموعة العوامل الإيجابية والسلبية ومواءمة النظريات القانونية مع  الواقع اللبناني المعقد .

اليوم  يأتي مؤتمركم هذا ليكمل ما بدأناه ، توصلا” الى وضع قانون يجمع كل النصوص التي عدلت  والتي ستعدل قانون البلديات ، واعادة صياغتها في قانون عصري يلحظ صلاحيات واسعة  للمجالس المحلية المنتخبة ، وينص ايضا” على التخفيف قدر الإمكان من الرقابات  الإدارية والمالية المفروضة في القانون القديم .

ان ما  يجب ملاحظته من خلال الجهد المشترك الذي نبذله جميعا” باتجاه انجاز هذا القانون ،  هو تثبيت لجنة الإدارة والعدل النيابية لجملة تعديلات تلائم ما نصبو اليه من اهمها  :

1 –  الابقاء على البلديات القائمة حاليا” وتعديل شروط إنشاء البلديات الجديدة بحيث اصبح  بالإمكان إنشاء بلدية لكل الف شخص مع واردات سنوية تزيد عن 50 مليون ليرة .

 (  المشروع يلحظ الانشاء بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء ولكن اللجان جعلته بقرار يصدر عن  وزير الداخلية والبلديات ) .  

2 –  وضع آلية سهلة لضم القرى الى البلديات القائمة واصول واضحة لانفصالها عنها .

(  المشروع يلحظ الضم والفصل بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء ولكن اللجان جعلته بقرار  يصدر عن وزير الداخلية والبلديات ) .

3 –  المشـروع ينص على انتخاب مباشر من الشعب لرئيس البلدية ونائبه .

(  واللجان اعادته كما القانون القديم أي الانتخاب من قبل المجلس البلدي ) .

4 –  تقصير المهلة المعطاة للمرشح لمراجعة شورى الدولة بشأن رفض ترشيحه والفصل سريعا” في  الاعتراض تسهيلا” للبت في المراجعة القضائية .

5 –  عدم جواز الجمع بين رئاسة البلدية او عضويتها وبين التعاقد مع الادارات والمؤسسات  العامة والجامعة اللبنانية والبلديات لأن العلاقة التعاقدية هي علاقة وظيفية بين  المرشح وهذه الجهات .

6 –  اشترط المشروع المؤهل العلمي للمرشح عن رئاسة او نيابة رئاسة البلدية وذلك لرفع  مستوى التمثيل .

( المشروع يلحظ هذا الشرط ولكن اللجان الغته وعادت لاعتماد القانون القديم أي معرفة  القراءة والكتابة ) .

7 –  تقصير مهلة حرمان رئيس البلدية ونائبه السابقين للترشح الى الانتخابات النيابية من  سنتين الى ستة اشهر .

8 –  إشتراط حضور كامل لرئيس البلدية ونائبه في البلدية لتأمين معاملات المواطنين والبت  بها بالسرعة اللازمة .

9 –  إعطاء القطاع الخاص حق المساهمة في إدارة بعض المشاريع التي تقوم بها البلدية وذلك  لتأمين المشاركة والتمويل لهذه المشاريع في حال تعذر تأمين هذا التمويل من موارد  البلدية .

10 –  لم تعد قرارات المجلس البلدي خاضعة للتصديق من سلطات الرقابة ( القائمقام ، المحافظ  ، الوزير ) بل أصبحت نافذة من تاريخ نشرها على باب مركز البلدية ، بإستثناء بعض  القرارات التي حدد المشروع لها مهلا” سريعة للتصديق ، وذلك من أجل إعطاء البلديات  مزيدا” من الاستقلالية وتأمين مصالح المواطنين بالسرعة الممكنة .

11 –  إعطاء مجلس الوزراء الصلاحية في تنفيذ مشروع معين في نطاق بلدي واحد او اكثر بعد  إستطلاع رأي البلدية المعنية ، وتحديد طرق تمويل هذا المشروع في حال تعذر التمويل  من مصادر البلدية الخاصة .

12 –  إعتماد شبكة معلوماتية في كل بلدية او مجموعة بلديات ، تعتمد على نظام إدارة قواعد  البيانات تربط وزارة الداخلية بمختلف البلديات تسهيلا” للعمل ولتبادل المعلومات  ونقلها .

13 –  حصر رقابة ديوان المحاسبة بالرقابة المؤخرة فقط على اعمال البلديات ، وعدم إخضاعها  لرقابة مجلس الخدمة المدنية والاستعاضة عن ذلك بالاتي :

أ –  موافقة مجلس الوزراء على قرارات تحديد ملاك الموظفين والاجراء وإنشاء الوحدات  البلدية وتنظيمها واختصاصاتها .

ب –  اعتماد نظام التدقيق المحاسبي الداخلي من قبل مفوض مراقبة للبلديات التي يزيد قطع  حسابها السنوي عن 100 مليون ليرة .

بالنسبة لبلدية بيروت :

لحظ  المشروع الغاء سلطة المحافظ التنفيذية على المجلس البلدي في بيروت وجعل رئيس  البلدية هو رئيس السلطة التنفيذية .

لم  يتم البت بموضوع بيروت لغاية الآن في اللجان النيابية .

 

       الحضور الكريم

يبقى  ان الاساس ليس فقط صنع قانون عصري للبلديات بل في الطـريقة والاساليب التي يجب ان  تتابع لصنع البلديات انطلاقا” من قول ( تكويفلي  Tocqueville ) احد كبار فقهاء العلم السياسي : من ان قوة الشعوب الحرة تكمن في بلداتها وقراها ،  وان أمة ليست فيها مؤسسات بلدية قد تعطي نفسها حكومة حرة ولكنها بالتأكيد لا تملك  معنى الحرية .

ان  هذا القول يقصد انتهاج ديموقراطية تهدف الى تنمية فن الحياة المشتركة .

ان  هذا القول يعني بالتأكيد رفع قيمة العمل البلدي ليصبح التنافس على تنفيذه يقع بين  مناهج وبرامج لا بين اشخاص وعائلات ولوائح شطب حزبية .

ان  هذا القول يقصد وجود مرشحين للخدمة العامة لا يلتمسون اصوات الناخبين ، بل مرشحين  يتخذون نهجا” يعتمد على تنبيه الرأي العام واطلاعه على الامور ومنحه اهدافا”  .

فهل  ترانا نصل في لبنان الى شخصية بلدية لا تتجنب المواضيع المتنازع عليها ولا تعمل على  استرضاء هذه العائلة اوهذه الفئة اوهذه الجهة او تلك  على حساب مستقبل البلدات وعلى حساب ساحاتها وشبكات مواصلاتها واتصالاتها ومائها  وكهربائها .

هل  ترانا نصل في لبنان الى بلديات تكون حارسة للبيئة .

هل  ترانا نصل الى بلديات تعبر عن انها ممثلة للرأي العام المحلي في مطالبتها في انتهاء  عمليات الفرز والضم على مساحة لبنان وفي المشاركة في ترسيم المخططات التوجيهية  ومشاريع التنظيم المدني والريفي .

ام  ترانا سننتج مجددا” في اول امتحان ديموقراطي يجري في لبنان مطلع الالفية الثالثة  واقعا” بلديا” مشوها” وعن حياة ديموقراطية مصابة بفقر الدم تعبر عن مزاحمة كاذبة .

من  جهتي فإنني وبإسم تيار عريض من المواطنين ، ارى وسأعمل ما امكنني على تنفيذ هذه  الرؤية التي تقول ان معايير المرشحين يجب ان تكون الوطنية الخالصة والنزاهة ونظافة  الكف ، ولكنها يجب ان تكون مترافقة مع الوعي الاجتماعي والتنموي ، وان معايير  الشخصية البلدية يجب ان تتضمن حكما” مهندسا” وطبيبا” ومحاميا” وناشطا” ثقافيا”  ونشاطا” بيئيا” وهذا لا يعني الانتقاص من بقية المهن .

انني  اذ ادعو الى التوافق والاتفاق في انتاج الشخصية البلدية على مساحة لبنان ، فإن ذلك  لا يعني بأي حال اتفاقات عائلية فئوية على الاستئثار بالتمثيل في المجالس البلدية ،  او الاستحواذ على الناس او الغاء المنافسة ، بل ادعو الى عملية ديموقراطية كاملة  يحق في اطارها التوافق والاتفاق ، الربح والخسارة ، على ان يتمكن الخاسر كما الرابح  من المشاركة في اللجان البلدية او من تشكيل بلدية ظل ، وذلك من أجل الرقابة على  القرارات وعلى اعمال المجالس البلدية .

ان  رؤيتي لانتاج المجالس البلدية القادمة ينبع من ديموقراطية معبرة عن نهج حياة ، لا  عن نظام يوهم المواطنين بأنهم مشاركون في السلطة لمجرد وضع ورقتهم الانتخابية في  صناديق الاقتراع .

 hننا  نريد ديموقراطية تشعرنا بأننا فعلنا شيئا” من اجل قرانا وبلداتنا  ومدننا .

       السيدات والسادة

وطالما ان الحديث عن  الديموقراطية ،  اسمحوا لي ان أتجاوز موضوع البلديات الى  مسافة الوطن الارحب ، حيث لا يكاد ينقشع غبار تصريح او موقف حتى تثور زوبعة غبار  جديدة مترافقة مع قرع طبول لحروب صغيرة متنوعة ، تنسى او تتغافل عن الوقائع الراهنة  على مساحة الشرق الاوسط الكبير الموضوع على منظار تصويب اسلحة حرب السيطرة الجارية  ضد مواردنا الطبيعية والبشرية .

طبعا” كل تلك المواقف والتصريحات هي تعبير عن حرية الرأي ، الا اذا وصلت الى حدود  التشكيك بكل شيء وبث الاضطراب والقلق ، وشكلت خطرا” وجوديا” على لبنان الذي يقع  بالإضافة الى انه على خط تماس التاريخ والجغرافيا مع قضية المنطقة ، وبالإضافة الى  التهديدات الإسرائيلية لبلدنا ولسوريا ، يقف مهددا” بالتوطين كما بتفاقم  الأزمة  الاقتصادية والاجتماعية .

واقول بصراحة ان هناك في لبنان من لا يريد  إسقاط الرئيس فحسب بل إسقاط الموقع  المعنوي ورمزية موقع الرئاسة .

وان هناك في لبنان من لا يريد  إسقاط رئيس المجلس فحسب بل إسقاط دور المؤسسة  التشريعية وتهميشها .

وان هناك في لبنان من لا يريد  إسقاط رئيس الوزراء فحسب بل إسقاط دور رئاسة الحكومة  وموقعها في الحياة السياسية .

وان هناك في لبنان من يريد السير بالبلد الى حالة تامة من الانحلال المؤسسي والتحلل  من كل الالتزامات التي ادت الى قيامة لبنان من واقع الفتنة والاحتلال الإسرائيلي .

وان هناك من يريد الانقلاب على صيغة لبنان الجديد وعلى المقاومة في لبنان وعلى دور  كل شقيق وصديق ، والانتقام بصفة خاصة من سورية في لبنان ، بهدف كسر ممانعتها لأهداف  حرب السيطرة ، والانتقام من كل دولة عربية مدت يدها لمساعدة لبنان ، والانتقام من  ايران في لبنان .

اننا متأكدون انه ليس بإمكان احد اعادة عجلة  الأمور الى الوراء ، ولا الرهان على  اغتيال صيغة التعايش الفريدة في لبنان ، ولا اغتيال دور لبنان العربي ، ولا رسالة  لبنان التي هي المحبة والتسامح .

واقول بثقة العائد من لبنان المغترب الى لبنان المقيم ، ان لبنان قوي برأسماله  البشري المنتشر على مساحة المحبة الذي يملك قوة المحبة لوطنه ، والذي لن يفرط ببقاء  لبنان كضرورة لبنانية وعربية .

كما ان لبنان قوي ببركة المؤمنين الذي يعتبرونه رمز العيش المشترك من الفاتيكان الى  الازهر الى قم والنجف الأشرف .

ولبنان قوي بسورية القوية بمبادئها وثوابتها ووفائها للبنان .

ولبنان قوي بمقاومته وبحريته وديموقراطيته ودائما” بوحدته الوطنية .

ولبنان قوي بحصنه من المهندسين الذين كان طليعتهم كبير مهندسي العرب ابراهيم عبد  العال .

ونحن جميعا”  أقوياء بالقيمة التي يمثلها لبنان .

                                                عشتــم

                                                عاش لبنــان

هذه التدوينة نشرت في خطابات. الإشارة المرجعية.