محاضرة عن إلغاء الطائفية السياسية ألقيت بدعوة من جمعية متخرجي الجامعة الأميركية في بيروت ـ البريستول

“في حنايا خريجي الجامعة الأميركية،

وفي حضور مثل هذه النخبة،

وعندما يكون الحديث عن قضية وطنية ودستورية،

عندها لا بد أن يتخلى المتحدث، وإن كان مسؤولاً، عن “عدة” الشغل السياسي، كما يقال، لتسود قواعد المنطق والموضوعية والعلم.

وانطلاقاً من هذه القناعة الراسخة عندي، لا بد أن اتوقف أولاً عند المسار التاريخي لقوننة الطائفية السياسية دستورياً، فهذا الجانب من الطائفية اكتسب “جنسيته اللبنانية” مع صدور الدستور اللبناني في 23 أيار 1926 بنص المادة 95 على التالي: “بصورة مؤقتة، وعملاً بالمادة الأولى من صك الإنتداب، والتماساً للعدل والوفاق، تمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة من دون أن يؤول ذلك الى الإضرار بمصلحة الدولة”، نتوقف بإيجاز عند هذا النص لنستخلص منه مقولتين هما:

أولاً: استناده لصك الإنتداب الذي كما تعلمون، كان مفروضاً على الإرادة الوطنية، وهذا الإسناد كما يظهر من النص جاء بمثابة ذريعة أو مبرر لإعتماد مثل هذه الصيغة بدليل أن مفاعيل اعتماده تستمر للحد الأدنى من الزمن أي بصورة مؤقتة.

ثانياً: الإستثنائية كونه جاء بصورة مؤقتة وكل موقت يكون استثناء للقاعدة.

وإيضاحاً للحقيقة التاريخية، لا بد من العودة الى الأجواء التي رافقت وضع الدستور سنة 1926، وخصوصاً عند مناقشة المادة 95 منه، للتذكير بأن رجالات لبنان آنذاك قد تنبهوا لمخاطر الطائفية وآثامها، فقال بترو طراد: لا وطنية إلا اذا حذفت الطائفية، في حين قال عنها إميل تابت، وفي المعنى نفسه أن لا وحدة وطنية طالما يوجد طائفية. ورداً على ما قاله شبل دموس إنه يحتقر الطائفية، ولكنه في الوقت عينه يتشبث بها لأنه لا يريد أن تتمزق الوحدة. وقال ابراهيم المنذر في معرض مناقشته للمادة: قال زميلي شبل دموس إنه يحتقر الروح الطائفية، ولكنه يتشبث بها، وأنا أقول إن هذه الروحية مضرة، وهي التي تقتلنا، ومع ذلك نرجع إليها ونضعها في دستورنا، فلنفعل ما يبدو لنا حسناً، ولكن فلنحاذر أن نكرس في دستورنا مبدأ لم تتبنه أمة من الأمم، إن السبب في تخلفنا هو الروح الطائفية، فلنطبقها على الأقل علناً في توزيع الوظائف، ولكن فلنتجنب ذكرها في الدستور.

واعتبر جورج زوين أن الروح الطائفية موجودة، إنها العلة التي نشكو منها وتقتلنا، إنها السبب في قتل أبناء وطننا بعضهم بعضاً، إنها العقبة التي تحول دون وحدتنا، الروح الطائفية هي السبب بوجود الإنتداب، نحن متمدنون، ولكننا بسبب الطائفية وضعنا تحت الإنتداب.

وعند التصويت على المادة 95، صدقت بالأكثرية وعارضها ستة نواب هم: ابراهيم المنذر وإميل تابت وخالد شهاب وصبحي حيدر وجورج زوين وجورج تابت.

ظلت المادة 95 على ما هي عليه الى بدايات معركة الإستقلال سنة 1943، وعندما اجتمعت الحكومة في الثامن من تشرين الثاني لإقرار مشروع قانون التعديلات الدستورية، وتحديداً المادة 95 من الدستور، طالب النائب يوسف سالم وكان نائباً عن الجنوب بحذف هذه المادة المتعلقة بالطائفية نهائياً من الدستور، فرد عليه عبدالله اليافي أن المجلس في معرض تعديل جزء من المادة، وليس تعديل المادة بكاملها،  أي ما يتعلق فقط بالإنتداب، كما برر حبيب أبو شهلا الإبقاء على النص المعدل بقوله: إن الإقتراح يجب أن يوقعه أكثر من عشرة نواب، وهذا الأمر غير مطروح الآن، فصوت المجلس على النص المعدل بالإجماع، فاقتصر التعديل على شطب ذكر صك الإنتداب منها من دون إحداث أي تعديل آخر، ومما يسترعي النظر في بيان الحكومة الإستقلالية الأولى سنة 1943، أنها حرصت للمرة الأولى على شجب الطائفية، والتدليل على مساوئها، وإبداء رغبتها في إلغائها تدريجياً، وذلك بقول رئيسها رياض الصلح نفسه: ومن أسس الإصلاح التي تقتضيها مصلحة لبنان العليا، معالجة الطائفية والقضاء على مساوئها، فإن هذه القاعدة تقيد التقدم الوطني من جهة، وسمعة لبنان من جهة أخرى، فضلاً عن أنها تسمم روح العلاقات بين الجماعات الروحية المتعددة التي يتألف منها الشعب اللبناني. وقد شهدنا كيف أن الطائفية كانت في معظم الأحيان أداة لكفالة المنافع الخاصة، كما كانت أداة لإيهان الحياة الوطنية في لبنان إيهاناً يستفيد منه الأغيار، ونحن واثقون بأنه متى غمر الشعب الشعور الوطني الذي يترعرع في ظل الإستقلال ونظام الحكم الشعبي، يقبل بطمأنينة على الغاء النظام الطائفي المضعف للوطن.

ان الساعة التي يمكن الغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان، وسنسعى لتكون هذه الساعة قريبة بإذن الله، ومن الطبيعي أن تحقيق ذلك يحتاج الى تمهيد وإعداد في مختلف النواحي، وسنعمل جميعاً بالتعاون، تمهيداً وإعداداً حتى لا تبقى نفس الا وتطمئن كل الإطمئنان الى تحقيق هذا الإصلاح القومي الخطير. وإن الهدق السياسي الذي استند اليه الميثاق الوطني، وعلى قدر انتسابه الى البيان الوزاري لحكومة الإستقلال الأولى، إن كان في الغاء الطائفية تدريجياً، بغية تحقيق المواطنة القومية النابعة من الإلتحام الكامل بين أعضائها، غير أن تقاعس السلطات المسؤولة عن التخطيط لإيجاد التدابير المدروسة في الوصول الى هذا الإلغاء لم يكن وحده السبب في تجميد الأوضاع الطائفية ونشاط مظاهرها، إذ أنه يبدو أن ثمة عاملين موضوعيين قد لعبا دور الحائلين دون تطوير الدولة اللبنانية نحو ارتدائها كنه الدولة العصرية المتصفة بانصهار فوارقها الثقافية وانقساماتها الطائفية في وحدانية شعبها.

العامل الأول: في اختلاف أنظمة الأحوال الشخصية الخاصة بكل طائفة.

العامل الثاني: هو في اختلاف مفاهيم العروبة ومقاييس القومية الدارجة بين المسيحيين والمسلمين عامة، وهو التناقض الذي عبر عنه جورج نقاش بقوله “نفيان لا يؤلفان أمة”.

ان هذا التعديل المقتضب ورغم أهميته الا أنه يفسح في المجال لطرح تساؤل مشروع هو التالي: هل كان الحكم الإستقلالي الأول قد تبين مضمون المادة 95 التي كانت مبررة أصلاً بوجود صك الإنتداب؟ وبمعنى آخر هل كانت الإرادة الوطنية قد أرادت أن تجعل الموقت دائماً ولو ضمناً بالحرص على النص؟

لن أتوقف بالإجابة عن هذا التساؤل عند الظروف التاريخية التي كانت سائدة، ولن أدخل في متاهات القراءة القانونية، إنما أكتفي بالإشارة الى ما جاء في محضر جلسة المجلس النيابي المنعقد في 30 أيلول 1947. ففي هذه الجلسة كما هو مثبت في المحاضر الرسمية طرح مشروع قانون الإنتخابات البلدية، واسمحوا لي أن أنقل بعض ما جاء في المحضر، فقد قال رئيس الحكومة رياض الصلح” “أنا فخور ان يكون المشروع على هذه الصورة اذ سيكون عهد جديد، سيتناول الانتخابات بصورة عامة فالدستور بصورة خاصة وبعد ذلك النفوس ، تجدر الاشارة هنا الى ان المشروع كان استرد من المجلس بإجماع النواب لإلغاء الاحكام الطائفية من نصوصه. اما النائب فيليب تقلا فقال: اني أرى فتحاً جديداً بقضية إلغاء الطائفية من هذا القانون، واعتبر ان تصويتنا عليه خطوة أولى في سبيل الاصلاح الذي لن يتم مالم يتوار شبح الطائفية الذي لن يتوارى عن النفوس ما لم يتوار من النصوص. واقر المشروع بالاجماع ثم عاد المجلس مرة ثانية ليقر المشروع المتعلق بالمختارين بعد الغاء التمثيل الطائفي من نصوصه.

أكتفي  باستعادة بعض ما جاء على لسان رجلين من رجالات استقلالنا لأختصر كا ما قيل في الجلسة، واعلن امامكم اليوم إنني أتبنى ما رآه هؤلاء الرجال القادة الاوائل، وحرصاً لجهة استحالة المراهنة على إصلاح في الدولة قبل ان يتوارى شبح الطائفية واستحالة النجاح في عملية الإلغاء بالمراهنة على الإلغاء من النفوس اولاً لتلغى من النصوص بعد ذلك.

وأضيف للاستحالتين ايضاً اعتقادي الراسخ بأن انتظار إلغاء الطائفية من النفوس لتلغى من النصوص لا يعني الا ان نبقى منتظرين الى ما شاء الله. وكل وقت يمر على انتظارنا تقترب المراهنة من الاستحالة اكثر واكثر والشواهد على ذلك كثيرة جداً ، أيضا لن اتوقف عندها كي لا اتهم بتجاوز القناعة الراسخة التي وعدت بها في بداية مداخلتي.

ومن العودة الى السؤال الاساسي ومحضر الجلسة المشار اليها سابقاً يتبين ان بقاء المادة 95 على ما كانت عليه بعد التعديل الاول لم يكن تبنياً للطائفية السياسية، فسياسة المجلس النيابي والحكومة كانت واضحة لجهة اعتماد مرحلية الإلغاء عملياً وتدريجياً توصلا لإنهاء سحب الموقتة من المشهد الوطني. ولا بد من القول هنا ان توقف العمل بالمراحل التالية لعملية الإلغاء بعد قانوني الانتخابات البلدية والاختيارية جاء بفعل اسباب ومستجدات وتطورات متعددة لا بد من انكم تدركونها جيداً، فلا مجال هنا للاحاطة بقراءة التطورات التي شهدها لبنان منذ نهايات العهد الاستقلالي الاول  وحتى سنة 1990، ولكن لابد لي من ان الفت الى واقعين قد بدءا منذ اوائل الخمسينيات وما يزالان سائدين حتى اليوم وهما:

ان توقف عملية الإلغاء المرحلي والعملي قد ادى الى تنامي المسألة الطائفية اضطراداً مع الوقت، وان تزايد البعد الطائفي قد ترافق وما يزال مع ظاهرة يجمع عليها اللبنانيون من دون استثناء بمن فيهم السياسيون والمسؤولون والناس والمراجع الروحية والذكور والاناث، وتتمثل بقولهم جميعا ” ان الطائفية علة العلل”. ولكن مقابل هذا القاسم المشترك بين الجميع من النادر النادر رؤية من يقدم ” شيئاً من القطران” لمقاومة هذا الجرب الوطني في الجسم اللبناني، لا بل غننا نرى ان الاكثرية الساحقة من الذين يرفعون شعار ” علة العلل لا تتعب ولا تكل  من ممارسة الحقن الطائفي، الامر الذي يجعل هذه الظاهرة بحاجة الى شيئ من الحياء عند ممارسيها لكي نضبطها.

وبدلاً من ان تنخفض حدة الطائفية، وتسلك سبيل الزوال، فقد توطدت ليس فقط في الحياة العامة با وايضاً في التشريع توطيداً اصبح مرتبطاً بكيان الدولة، فبعد ثلاث وثلاثين سنة من صدور الدستور، عمد المشرع اللبناني في المرسوم رقم 112 الصادر في 12 حزيران سنة 1959_ نظام الموظفين_ الى ادخال نص فيه ” يراعي في تعيين الوظيفة أحكام المادة  95 من الدستور” ، الامر الذي لم يجعل من اعتماد هذه المادة  مؤقتة، وإنما قاعدة ثابتة ونهائية قائمة في اساس الدولة اللبنانية وتشريعاتها القانونية.

وأخلص من تلك المرحلة الى التعديل الثاني أي للنص النافذ الإجراء منذ 21-9-1990 وفيه : ” على المجلس النيابي المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين  اتخاذ الاجراءات الملائمة  لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم بالاضافة الى رئيسي المجلس والحكومة شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية”. وحددت المادة 95 مهمة الهيئة كالتالي : ” دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية وتقديمها الى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية”.

وأنشأت الفقرة الثانية ” مرحلة انتقالية” بين ما هو واقع قبل عملية الالغاء وبين ما بعد الالغاء سنتطرق اليها لاحقاً .

ان اول ما يظهر جلياً من هذا النص الزامية اتخاذ الاجراءات الآيلة الى الغاء الطائفية السياسية والزام المجلس النيابي بتشكيل الهيئة الوطنية التي تقترح الاجراءات.

وهنا لا بد من ان اشير الى ان مبادرتي لتشكيل الهيئة الوطنية كانت الزاماً لي كرئيس للمجلس النيابي ولم تكن خياراً ابداً . وهذا ام يدعوني الى القول ان ليس لأحد ان يواجه دعوتي بالقول انه وقت غير مناسب، او ان هناك منفعة سياسية او غير سياسية ، او بأي اعتقاد آخر، فمن يقول ذلك عليه ان يقيم الدعوى على دستور بلده لماذا وضع هذا النص، ولا يتهم رئاسة المجلس ايا كانت التي اعلنت مبادرتها لتنظيف النص. وقد اكون هنا لست بحاجة للقول ان ساعة انتخابي رئيساً للمجلس النيابي في 20 تشرين الاول 1992 في تلك اللحظة ولاول مرة ثم اعدت الكرة عند انتخابي مرة ثانية عام 1996 ان الدولة التي لا يحترم سياسيوها ايا كان موقعهم، دستور بلدهم ويتقيدون بنصوصه تستحق الشفقة، واسمحوا لي ان اقول انها تكون في غير ثبات ولا استقرار.

ومن المفيد اجراء مقارنة سريعة بين مرحلية العهد الاستقلالي الاول والمرحلية الجديدة التي جاءت في المادة 95 النافذة الاجراء ـ فأرى ان التعديل الاخير للمادة اختلف مع التعديل السابق له بثلاث مسائل هي :

اولاً: كان الهدف الذي توخاه الحلم الاستقلالي الاول ابعد مدى مما اراد النص الحالي الوصول اليه، لان غاية المرحلة زمن الاستقلال كانت الوصول الى الغاء الطائفية بشكل كامل ليس الغاء الطائفية السياسية فقط، اما النص النافذ فقال بإلغاء جانب واحد منها هو الطائفية السياسية.

ثانياً : دسترة الخطة في النص الحالي ووضع العناوين العريضة لها والحرص الكامل على التشديد على ضرورة انفاذها، فالمادة 95 وضعت كترجمة لواحد من بنود مقدمة الدستور التي تنص على ان ” الغاء الطائفية السياسية هدف وطني يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية” بينما كانت الخطة العملية التي اتبعت اوائل الاستقلال تعتمد “تحين الفرص” وتستند في اساسها الى سياسة الحكومة والمجلس النيابي.

ثالثاً : ان وضع الخطة في النص الدستوري بعد التعديل الثاني قد تحصن باجراءين من شأنهما اكتشاف مزيد من التشديد على الزامية تنفيذ خطة الالغاء.

الاجراء الاول: ربط العمل ببعض المواد الدستورية بتشكيل الهيئة الوطنية ونفاذ خطة الالغاء عملياً، فالمادة 22 من الدستور نصت على انه مع انتخاب اول مجلس نواب على اساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس الشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية.

والمادة 24 نصت على “الى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي توزع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين”. ويبدو واضحاً أن نفاذ المادتين الدستوريتين يتوقف على الغاء الطائفية السياسية، وهذا يعني إضافة الى تشديد المشترع على إلزامية الإلغاء.

ان الإستهانة بما جاء في المادة 95 يعني في أبسط الأمور الإستهانة ووقف العمل بمواد دستورية أخرى وتعطيل نفاذها وهي مواد دستورية أساسي جداً.

الإجراء الثاني: استباق العمل بالإلغاء حتى قبل تشكيل الهيئة الوطنية بمرحلة انتقالية نصت عليها الفقرة الثانية من المادة 95، يمكن أن تشكل نموذجاً للمرحلية التي ستكون مطلوبة من الهيئة الوطنية وتقضي بالتمثيل العادل للطوائف في الوزارة والغاء طائفية الوظيفة، الا في الفئة الأولى وما يعادلها التي تكون مناصفة بين المسيحيين والمسلمين. ويبدو أن المشتروع في هذا النص قد حدد الخطوط العريضة أو بعضها على الأقل لما يعنيه النص على اعتماد الطائفية بصورة مؤقتة التي كانت تنص عليها المادة 95 قبل تعديلها الثاني والأخير.

من هذه الخلاصة يتبين بوضوح، وأقول ذلك تكراراً، أن مبادرتني لتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية لا تعني بأي شكل من الأشكال أن الغاء هذا الجانب من الطائفية يتحقق بإتمام عملية التشكيل ليس مجرد تشكيل الهيئة، يعني أننا ألغينا الطائفية السياسية مما لا يتحقق بمجرد أن تقترح الهيئة الطرق الكفيلة بالإلغاء، ومن المفيد أن نتصور كيف ستكون الهيئة العتيدة التي يرأسها رئيس الجمهورية وتضم رئيسي المجلس والحكومة وشخصيات سياسية فكرية واجتماعية غير محددة العدد، الا أن الثابت في هذا التشكيل انه سيضم ممثلين عن جميع الطوائف والمذاهب والقوى السياسية واتجاهاتها، فبصرف النظر عن عامل الوقت الذي ستستغرقه أعمالها فإن هذا التنوع الشامل سيكون ضمانة لسحب الخوف على الطائفة والمذهب من قلوب الجميع. خصوصاً أن ما تقترحه الهيئة يتخذ بالإجماع ويبقى خاضعاً لموافقة المؤسسات الدستورية؟

أنا أرى أن هذا الخوف مفتعل لا سبب ولا ذريعة تبرره الا الحرص على المصالح الشخصية أو الفئوية فقط لا غير وليس مصلحة الطائفة. فالذين يطالبون باستباق تشكيل الهيئة بإجراءات تبدأ في المدارس والجامعات مثلاً، تبقى مطالبتهم صحيحة من حيث المبدأ الا أنهم لم يتحفونا بالقول كيف يمكن ذلك في ظل الواقع الطائفي المستشري، وماذا تعمل الهيئة إذا كان الواقع الطائفي قد زال قبل تشكيلها؟ والذين يعارضون التشكيل لأن الواقع الطائفي قد أصبح مستشرياً والموت لا سمح الله نقول لهم لأنه قد أصبح مستشرياً علينا مواجهته لأن الركون للعلة يؤدي دائماً الى استفحالها، وهذا ما يتأكد من المرحلة الفاصلة بين استقلال الدولة وحتى اليوم.

لقد زادت الطائفية وازدادت المذهبية بدلاً من أن تخف. ان ما يمكن أن ينتج عن بدء مواجهة المد الطائفي من سلبيات قد تحصل على المستوى الوطني سيكون بالتأكيد أقل كلفة من إبقاء اليدين مكتفتين، فمن لا يرى أن جميع المصائب والأخطار التي هددت الكيانية اللبنانية حتى اليوم كانت دائماً ذات أبعاد طائفية أما في منشئها وإما في ضمان استمراريتها وقطف ثمارها من قبل الذين أثاروا الغرائز الطائفية واستنفروها لجعل طوائفنا ومذاهبنا وقوداً لنارهم.

وأخيراً، ان التمسك بعدم تطبيق المادة 95 من الدستور وبالتالي في اتخاذ الخطوة الأولى المتمثلة بتشكيل الهيئة بحجة الحرص على التوازن على الطوائف والسياسة في لبنان أن يباشروا العمل جدياً لتقريب تلك الساعة اليقظة والمباركة، فيمهدوا العمل لتأليف الهيئة الوطنية العليا، الأمر الذي نقوم به مقدمة لإلغاء الطائفية السياسية في لبنان، عليهم أن يباشروا بهذا الجهد الوطني الحقيقي حتى لا يكون رجال سياسة الأمس الذين تنبأوا واستشرفوا مخاطر الطائفية وويلاتها أكثر وعياً وتنبهاً منا ومن سياسيي اليوم وهم يعانون مصائبها وويلاتها وتعصبها الذميم.

عشتم وعاش لبنان مع الطوائف لا الطائفية.

حوار بعد المحاضرة :

رد الرئيس بري على اسئلة عدد من الحاضرين

رداً على السؤال الاول اوضح :

” علينا تأليف الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية قبل ان ننتقل الى موضوع المادة 22 من الدستور”.

ورداً على سؤال آخر قال :

” ليس بمجرد تكوين الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية يعني اننا الغينا الطائفية السياسية، وبرأيي المتواضع ان هذا الامر يمكن ان يستمر ثلاثين سنة اذا كنت متفائلاً . وان عملها ان توازن بين النصوص والنفوس مثل : اعادة تنظيم الاعلام، وضع كتاب تاريخ موحد، تحويل المؤسسات العامة لمنافسة المؤسسات الخاصة، الخدمة الالزامية  في الجيش، قانون جديد للاحزاب، الزواج المدني الاختياري، وهناك اجراءات عديدة اخرى”.

سئل : هل ننتظر ستين سنة اخرى لنبدأ بالغاء الطائفية السياسية؟

اجاب : اود هنا ان استعمل تعبير الصديق الوزير بهيج طبارة بأن عدم انشاء الهيئة الوطنية هو انقلاب على الطائف. وهو اهم الاصلاحات التي وردت، لأنه ام الاصلاحات ومنطلقها.

ورداً على سؤال وجهه الوزير السابق طبارة حول الخطوات التي ينوي القيام بها .

اجاب الرئيس بري : ” الحقيقة ان هذا الامر يعيدني الى عام 1992 عندما انتخبت في تشرين الاول وقلت في الكلمة التي القيتها امام المجلس، وقد الفنا بعد ذلك المجلس الدستوري والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وفي 1/1/1995 اذكر انه في احتفال لاخواننا الارمن في “الريفييرا” قلت ان هذا العام عام العمل لتأليف الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية السياسية. آنذاك اتى من قال لي ان مجلس عام 1992 ان الاخوة، خصوصاً في الفريق المسيحي لم يشارك في الانتخابات كما يجب لذلك فإن طرح الموضوع الآن ” فيه إنّ” ، وفعلاً سكت على الموضوع حتى انتخابات عام 1996 فجددت الامر، وبدأت الاستشارات وعقدت مكتب المجلس، وطلبت من كل واحد في مكتب المجلس ان يراجع مرجعيات معينة ، كل يراجع مرجعياته وفوجئت حقيقة بأن ليس هناك فريق واحد له تحفظات، لماذا ؟ كما تعلمون ان اتفاق الطائف اعطى حقوقاً ايضاً صراحة للمسلمين ، ومع الاسف الشديد صار المسلمون ايضاً لديهم شيء من التمسك سواء كانوا شيعة او سنة . آنذاك تكلمت مع الرئيس الياس الهراوي رحمه الله وتوافقنا على ان نتخذ خطوة ما ، فقال ” انا سأدعو الى هذا الموضوع”، وهنا اسجل شجاعته وجرأته. وقال لي : ” ما رأيك ان ندخل بعملية الزواج المدني الاختياري”، فقلت له ” اتكلنا على الله” ومشينا في موضوع الزواج المدني الاختياري واخذت منه وعداً بأن يراسلني، ويبعث لي رسالة  يخاطب فيها المجلس النيابي وفقاً للدستور ويطلب مني هذا الامر مقابل ان اؤيده في موضوع الزواج المدني الاختياري.

وبالفعل اقدمت على هذا الامر ونال في مجلس الوزراء آنذاك 21 صوتاً من اصل 30 صوتاً على ان منشي بالزواج المدني الاختياري، ويومها الرئيس رفيق الحريري تخوف من اشكالات بالنسبة لهذا الموضوع وقال لا اريد ان اوقع الان، عندئذ قلت في نفسي ان الرئيس الهراوي سيتراجع عن وعده لي، لكن في الحقيقة في اليوم الثاني صباحاً كانت الرسالة موجودة عندي، وهي موجودة الآن في ادراج المجلس النيابي كما تقتضي الاصول.

حاولت في هذا الموضوع ولم استطع فوجدت ان الوضع مكربج، وبعدها في المجلسين الثالث والرابع لم احرك ساكناً بسبب الاجواء، خصوصاً بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وبقينا صامتين ساكتين حتى البارحة عندما عدت وحركت الموضوع.

هذا الامر يقتضي دوعة مكتب المجلس كما فعلت عام 1995 ، وان اطرح الموضوع عليه وادخل الى الهيئة العامة بمشروع اذا قبل ان نكون انطلقنا لتكوين الهيئة ، اما اذا رفض يكون هناك فعلاً  ردة او انقلاب كما جاء في تعبير معالي الوزير طبارة.

عندما رأيت ردود الفعل على مبادرتي منذ فترة وجدت انه لا ضرورة لأعد واحد، اثنين، ثلاثة، اربعة. وجدت ان الجو مع الاسف الشديد لا يزال دون الوصول الى قرار يؤخذ في المجلس النيابي، فقلت لا بد من ان يطرح هذا الامر على الشعب اللبناني، وبالتالي نزيد من عملية التحرك في هذا الاطار وازالة المخاوف قدر المستطاع. وانا برأيي ان المخاوف هي من بقاء الامر على ما هو عليه الآن. الخوف الحقيقي هو الآن، بينما تأليف اتلهيئة الوطنية سيأخذ على الاقل اكثر من 30 سنة اذا كنت متفائلاً .

هذه التدوينة نشرت في إلغاء الطائفية السياسية, قضايا. الإشارة المرجعية.