نص كلمة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري في الذكرى الحادية عشر لرحيل الإمام العلامة الشيخ محمد جواد شري تحت عنوان “الإمام المدرسة” وقد ألقاها بالنيابة عنه القنصل العام في ديترويت الدكتور علي عجمي

الإمــام المدرسـة

في  الذكرى السنوية لرحيل: الإمام العلامة السيد محمد جواد شرّي

نتذكره كرجل دين من طراز استثنائي حمل نفسه إلى البعيد البعيد حيث اجتمعت أعداد  كبيرة من المسلمين لبنانيين  وعراقيين  ويمنيين وعاهد نفسه أن لا تضعف عقيدتهم وان لا تأكل الغربة وجوههم وان يبقى وجدانهم  صاف وقلوبهم مشدودة بالشوق إلى أوطانهم.

تتذكره كمفكر إسلامي اتخذ موقعه في المكان الأكثر اضطراباً في الغربة حيث تجتمع  أعداد من الذين عانوا الحرمان في أوطانهم وأصبحوا في واقع الأمر محرومين من أوطانهم  مع إحساس متزايد بالفقر والشعور بالظلم والشعور بالحرمان من التكامل المعنوي  والإحساس بفقدان المكانة السياسية.

نفتقده كمفكر صمم على مواجهة “أزمة الإنسان في الغربة” وعاش  إحساساً  متفوقاً بالوقت وبالقضايا التي عايشها وهو الأمر الذي يستدعي من أخيه  الكاتب والناقد الأستاذ محمد باقر شرّي ان يجمع لنا نثار فضة أفكاره وان يؤرخ بعضاً  من يومياته للأجيال القادمة.

وبعد  وبعد ..

فإننا  في هذا العام أيها الإمام الراحل يود كلينا أن يستريح. أنت إلى راحة نفسك، وأنا كي  أستعد ليوم آخر حيث أن الأيام لم تعد تأتي على عادتها عادية وبريئة وعفوية بل باتت  تحمل إلينا كل امر دبر في ليل وأصبح الموت الغادر يربط لنا دروب النهار وأصبحنا نحن  نتوجس من نسمة الهواء وحتى من كل طير يطير.

هذا  العام، تكاد الكلمات تعاني من اليباس ويكاد حتى الهمس ان يقف في سقف الحلق لأن  الحزن ـ ليس ذلك الحزن الذي يعبر عن سعادة الشقاء وليس ذلك الحزن العادي اليومي  الذي يرافق أولئك الذين يحذفهم الموت ـ بل ما أقصده الحزن العاصف الذي تولده  المفاجأة والدهشة والاغتيال بات يتربص بأوطاننا ونسينا الدوائر.

لكأن  هذا العام، أيها الإمام الراحل لا يريدان ينتهي لذلك جئت لأشتكيه إليك.

لكأن  الوقت الذي يستهلكه هو خلاف الوقت الذي نعرفه والذي كان يسرق أعمارنا والذي كان  يركض مسرعاً دون أن يتوقف ليستريح في اليوم السابع أو في فرصة سنوية أو على موعد مع  عيد.

ثم ها  أنت تجيبني رغم مسافة الأسى والهم والأمل واليأس والخوف والبأس بأن علينا أن نختار  بين أن :

نكسب  الوقت أو أن نخسر  الوقت ؟

نحن  أبناء القرى العاملية المعلقة على حبال الضوء نتعلم منك نتعلم بأن نكسب الوقت وان  نستثمر على اللحظات والثوان والدقائق والساعات والأيام والأسابيع والأشهر والسنوات  من اجل : الحق والحقيقة، العدل والعدالة ومن اجل الوطن والمواطن والمواطنية  والعاصمة والحدود وأساساً من اجل الإنسان الذي هو خليفة الله على الأرض.

نتعلم  منك كذلك انه حين تسير عجلة الزمن بطيئة على صدر المكان ويسود الشك والقلق  والاضطراب فإن الأزمان تصبح قريبة من الانفراج كلما اشتدت لذلك ترانا يستدعينا صوتك  الذي يصرخ في أقصى برية من الأرض بأن لا نخاف من ذلك العالم المادي القاسي الذي  تأسس خارج التاريخ وخارج الحضارات وعلى حسابها لأنك أنت ولم تكن تملك سوى إيمانك  وعباءتك وعمامتك وقفت وحيداً تواجه كل الأضواء والألوان وكل الترهيب والترغيب،  وهناك في قلب ذلك العالم وفي “ديترويت” صنعت أعجوبة “المركز الإسلامي” الذي كان في  مضمونه أكبر من مجمع  للحنين إلى الشرق وأكثر من مكان للتأبين، وأكبر من منزل  لاجتماع العائلة اللبنانية فالمركز كما كتبنا إليكم ذات يوم : “كان وسيبقى موقعاً  لقواعد سلوكنا التي تثبت اننا حضارة متقدمة قامت على قاعدة التوحيد والأخلاق”.

من  ذلك المركز ـ المركز الإسلامي ـ الموقع المتقدم في حوار الحضارات، ومن كل مواقع  العلامة الراحل الإمام السيد محمد جواد شري نقول ان إلتزامنا بالمحبة والتسامح  والعدالة وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، وحق الانتماء وحق التعبير هو التزام مسلكي  بعقيدتنا مقابل الالتزام الشكلي لخصومنا بالعبارات البليغة عن القواعد الأخلاقية  والحقوق.

نحن  نلتزم القواعد التي أرساها الراحل الكبير في “المركز ـ المدرسة” :

عجز القوة

    مقابل

    الأحادية التي تؤكد إصرارها على الاحتكار المركزي للقوة

    المبادىء

    مقابل

    المصالح

    الغذاء والمأوى والرعاية الصحية

    مقابل

    التشريد

    حوار الحضارات

    مقابل

    صدام الحضارات

    المقاومة

    مقابل

    العدوان

ما  تقدم غيض من فيض ولكننا دائماً نترك شيئاً من رصيدك لذاكرة أقلامنا.

في  الختام، وفي يومك حيث يجتمع إليك الأهل في ديترويت نتوجه من خلالكم أيها الإمام  الراحل بالتحية لهم واحداً واحداً ونتوجه من خلالهم بالتحية لمقامك مؤكدين انه حين  يسرقنا الوقت أو حين يضغط على صدورنا فإننا سنعود للخواص والطليعة الذين قادوا  مسيرتنا في لبنان المقيم ولبنان المغترب وفي الطليعة سماحة الإمام القائد السيد  موسى الصدر (أعاده الله) وسماحة الإمام السيد محمد جواد شري (أعلى الله مقامه) الذي  تركوا لنا معيناً لا ينضب ومواقف نستعير من ترجمتها كلما تعرضنا لامتحان.

                                                                                              رئيس  مجلـس النواب

                                                                                                     نبيه بـرّي

هذه التدوينة نشرت في خطابات. الإشارة المرجعية.